محمد سيد عمران يكتب | عن إدارة الاختلاف

0

عبر التاريخ، لم يكن ” الاختلاف ” بين البشر مجرد تنوع طبيعي، لكن تحول في كثير من الأحيان إلى مصدر صراع حين اقترن بالجهل والتعصب وتراجع القيم وقد أثبتت التجارب أن المجتمعات التي فشلت في إدارة هذا ” الاختلاف ” دفعت ثمن استقرارها ووحدتها، بينما أسهمت أدوات التأثير الحديثة ” السوشيال ميديا ” في تعميق الانقسام عبر توجيه الرأي العام وصياغة السرديات وفق مصالح محددة لخدمة أطراف و اجندات خارجية.
تعود جذور هذا ” الاختلاف ” إلى البدايات الأولى للوجود .. حين تحول إلى صراع عند ظهور مفهوم التفوق ورفض الآخر ” انا خير منه خلقته من طين و خلقتني من نار ” ليترسخ عبر العصور في صور متعددة عرقية وقومية وعقائدية، بل وحتى في أبسط صور الانتماء لفريق كرة قدم ومنذ ذلك أصبح ” الاختلاف ” جزء من صراع طبيعة الحياة يتجدد بين قوى البناء وقوى الهدم، وبين الخير والشر وبين ما هو دون ذلك.
في هذا المشهد، تبرز مصر كنموذج تاريخي فريد للدولة التي حافظت على استمراريتها وتماسكها عبر آلاف السنين فمنذ فجر الحضارة، كانت مركز للإشعاع الثقافي والحضاري ينير العالم ، وموطن لتلاقي الشعوب وأسهمت في تأسيس نظم العلوم والإدارة والتنظيم
تميزت مصر كذلك بعلاقات متوازنة مع محيطها، فلم تكن قوة توسعية بقدر ما كانت ركيزة للاستقرار، تؤدي دور الملاذ والسند، انطلاقا من إدراكها لمسؤوليتها الجغرافية والتاريخية كما ارتبطت بمكانة خاصة في السياق الديني والحضاري فهى من تجلى الله عليها دون غيرها فحباها من فضله وجعلها خزائن الأرض وسر من اسرار القوة والبأس ما عزز دورها كجسر بين الحضارات عبر الزمن
ورغم ما أحاط بها من صراعات إقليمية، ظلت مصر عنصر توازن، تسعى إلى احتواء الأزمات وترسيخ مفهوم الدولة ويكشف تاريخها عن منظومة حضارية متكاملة، استطاعت الصمود والتأثير رغم تغير الظروف لم يغير ثقافتها محتل ولن يغير تاريخها مدلس ..
لذلك، تبقى مصر في السردية التاريخية نموذج للاستمرارية، ودليلًا على أن الدول ذات الجذور العميقة قادرة على البقاء والتأثير، مهما تبدلت موازين القوى كنانة الله في أرضه ” ام الدنيا ” ليست شعارات تنطق ولكن تاريخ كتب بمداد من المواقف الإنسانية والتاريخية ..
مصر تستطيع أن تستوعب الجميع ..
ولا أحد يستطيع ان يستوعبها ..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.