ميرال المنصوري تكتب | نرجسية القيادة

0

ليست كل القيادات تُقاس بما يظهر من هدوء أو لباقة، فبعضهم يمارس نوعًا خفيًا من السيطرة، يجعل بيئة العمل تبدو مستقرة ظاهريًا، لكنها في الداخل تعاني من خلل عميق. هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ”القائد النرجسي الخفي”، الذي لا يهدم المؤسسة بشكل مباشر، بل يُضعفها تدريجيًا من الداخل.
هذا النمط من القيادة لا يؤمن بفكرة العمل الجماعي الحقيقي، بل يسعى دائمًا ليكون هو المحور الأساسي لكل نجاح، حتى وإن كان ذلك على حساب الآخرين. وفي كثير من الأحيان، يتخفى خلف صفات تبدو إيجابية، فيظهر وكأنه شديد الصراحة، واضح، بل وأحيانًا يُشعرك بأنه يخاف عليك ويهتم بمصلحتك، بينما تكون هذه الصفات مجرد وسيلة لاكتساب الثقة والسيطرة بشكل أعمق.
في مختلف البيئات، نجد أن هذا القائد لا يسعى لبناء فريق قوي بقدر ما يسعى لصناعة دائرة تدور في فلكه، حيث يميل إلى تقريب من يتأثرون به بسهولة، ويبتعد تدريجيًا عن أي شخصية مستقلة أو مختلفة.
ولا تتوقف المشكلة عند حدود السيطرة فقط، بل تمتد إلى تأثير أعمق وأخطر؛ حيث يبدأ المحيطون به في التأثر بأسلوبه دون وعي. فبعض الأفراد، خاصة مع طول الاحتكاك، يكتسبون نفس طريقته في التفكير والتعامل، ويتبنون نفس أسلوبه في فرض الرأي أو السعي للسيطرة، وكأنهم يعيدون إنتاج نفس النموذج داخل البيئة نفسها.
ومع الوقت، لا نكون أمام قائد واحد فقط، بل أمام أكثر من نسخة تحمل نفس الصفات، فتتحول البيئة بالكامل إلى مساحة مشبعة بالتوتر والتنافس غير الصحي، وتفقد تدريجيًا روح التعاون الحقيقية.
في المقابل، تظل هناك فئة صامتة من المظلومين، تبذل الجهد دون ضجيج، لكنها تعاني من تجاهل مستمر وضغوط نفسية تجعلها تشعر وكأنها تعمل في ظل شخص واحد لا ضمن فريق. هذا الشعور قد يدفع البعض للانسحاب، أو التكيف بشكل خاطئ مع هذا الواقع.
القائد النرجسي لا يكتفي بإضعاف الفريق، بل يخلق بيئة يغذي فيها مشاعر الغيرة والحقد، مما يؤدي إلى تفكك العلاقات وانخفاض الإنتاجية، رغم أنه قد يبدو أمام الإدارة بصورة مثالية.
إن مواجهة هذا النموذج لا تتطلب فقط كشفه، بل بناء ثقافة قائمة على العدالة والتوازن، تُعلي من قيمة العمل الجماعي الحقيقي. فالقائد الحقيقي ليس من يصنع تابعين، بل من يصنع بيئة صحية تُخرج أفضل ما في الجميع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.