خالد محمد يكتب | فجر الضمير (1–3)

0

يعترف بفضل الرجل الذي يتخذ العدالة نبراسًا له، فينهج نهجها.
(من أقوال الوزير المصري الأكبر “بتاح حتب”، المنفي الأصل، في القرن السابع والعشرين قبل الميلاد).
“إن فضيلة الرجل المستقيم أحب (عند الله) من ثور الرجل الظالم (أي من قربان الرجل الظالم)”.
(من النصيحة الموجهة للأمير مريكارع من والده، فرعون أهناسي الأصل، في القرن الثالث والعشرين قب الميلاد).
“إن العدالة خالدة الذكرى، فهي تنزل مع من يقيمها إلى القبر، ولكن اسمه لا يُمحى من الأرض، بل يُذكر على مر السنين بسبب العدل”.
(من قصة الفلاح الفصيح الأهناسي الذي عاش في القرن الثالث والعشرين قبل الميلاد).
“إن فضيلة الرجل هي أثره، ولكن الرجل سيئ الذكر منسي”.
(من شاهد قبر مصري عاش حوالي القرن الثاني والعشرين قبل الميلاد).
“قد يفرح أهل زمان الإنسان، وقد يعمل ابن الإنسان على تخليد اسمه أبد الآبدين… إن العدالة ستعود إلى مكانها، والظلم يُنفى من الأرض”.
(من أقوال نفروهو، وهو نبي مصري عاش حوالي 2000 قبل الميلاد).
“يا آمون، أيها الينبوع العذب الذي يروي الظمأ في الصحراء، إنه لينبوع موصد لمن يتكلم، ومفتوح لمن يتذرع بالصمت؛ فإنه حينما يأتي الصامت، تأمل، فإنه هناك يجد الينبوع”.
(من أقوال حكيم مصري قديم عاش حوالي 1000 قبل الميلاد).
في 23 يوليو 1933، وبعد الحرب العالمية الأولى، بدأ المؤلف جيمس هنري بريستد في تسطير مؤلفه الفذ “فجر الضمير”. وفي مقدمته يقول إن الإنسان قد تطور في قدرته على اختراع وسائل تدمير قادرة على إفناء البشر بشكل مروع، وأن هذه القدرة الوحشية استغرقت ما يربو على مليون عام من التطور.
لكن الضمير لم يبرز إلى حيز الوجود الإنساني إلا منذ خمسة آلاف عام، فهو إذن وليد في المهد الأول من التطور. فالإنسان بدأ متوحشًا، مجردًا من الأخلاق، ومسلحًا بقوة تدميرية هائلة، فكيف توصل إلى الأخلاق منذ خمسة آلاف عام؟
يقول الكاتب: لقد حفظت في طفولتي الوصايا العشر، التي أكدوا لي أنها أنزلت على موسى من السماء، وكلما كذبت كنت أجد سلوى في نفسي أن الوصايا العشر لا تحرم الكذب إلا عند الشهادة الزور. وكان يتملكني العجب: لماذا أشعر بالقلق في قرارة نفسي من عدم تحريم الكذب في هذه الوصايا؟ كيف وصلني هذا الشعور؟
إن حكمة “أمينوبي”، المسطرة في أوراق البردي الاجتماعية التي تعود للعهد الإقطاعي والمحفوظة في المتحف البريطاني، قد تُرجمت إلى العبرية في الأزمنة الغابرة، وصارت مصدرًا استُقي منه جزء كامل في “سفر الأمثال” بالتوراة.
كم من قس حديث قد قوى موعظته بالعبارة التالية من سفر الأمثال: “هل ترى رجلًا جادًا في تجارته؟ إنه سيحظى بالمثول أمام الملوك”.
وهل قال هذا القس إن ما اقتبسه هو في الأصل نص مصري قديم يعود إلى آلاف السنين؟
من الواضح أن التقدم الاجتماعي والنضج الخلقي الذي أحرزه المصريون القدماء في وادي النيل أقدم من التقدم العبري بثلاثة آلاف سنة على الأقل، وأن ما وصلنا من الأدب العبري في التوراة لم يكن من صنع العبرانيين، بل وصل عن طريقهم.
وهذا الإرث الأخلاقي الرائع قد تحقق قبل أن يبدأ ما يسميه رجال اللاهوت “الوحي” بزمن طويل، وأن ما حدث من تطور أخلاقي للإنسان هو نتيجة تطور وخبرة اجتماعية، وليس نزولًا مباشرًا من السماء.
إن ارتياد مملكة الأخلاق لا يزال في بدايته، ويجب أن يفخر الإنسان بأعظم كشف في عالم التطور البشري، وهو اكتشاف الأخلاق.
ويهم المؤلف أن يؤكد أنه طوال حياته كان مهتمًا بالدراسات العبرية، وأن من تلاميذه ربانيين (حاخامات)، وله أصدقاء كُثر من يهود الحاضر لهم مكانة عالية في المجتمع. (ويبدو أن قصده من ذلك درء الاتهام بأنه ينفي عن العبرانيين السبق في التطور الأخلاقي).
ثم يعود ليؤكد أن الإنسان قد سما إلى مرحلة تصور خلقي قبل أن تظهر الأمة العبرانية إلى الوجود بألفي عام.
ويوقع على المقدمة:
جيمس هنري بريستد
جبل يورو هميتد – نيومكسيكو
27 يوليو 1933
وينتهي التمهيد، على أن تُستكمل باقي فصول هذا الكتاب الممتع، الذي ترجمه إلى العربية الدكتور سليم حسن في يناير 1956، في مقالات قادمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.