حسن هجرس يكتب | خدمة المواطنين
خدمة المواطن ليست شعارا.. بل منظومة إدارة ومؤشرات ونتائج ، في دولة تسعى إلى ترسيخ مفهوم ( الجمهورية الجديدة) لم تعد الإدارة المحلية مجرد جهاز إداري لتسيير الأعمال اليومية، بل أصبحت العصب الحقيقي للتنمية ، والمسؤول الأول عن جودة حياة المواطن في الشارع والقرية
والمدينة. فالنجاح لا يقاس بكثرة القرارات أو وفرة الخطابات ، بل يقاس بمدى قدرة المحافظات على تحويل الخدمات العامة إلى تجربة محترمة تليق بالمواطن المصري وتستعيد ثقته في مؤسسات الدولة.
لقد تعلمت من واقع العمل التنفيذي أن المواطن لا ينتظر وعودا كبيرة، ولا يبحث عن تبريرات أو أسباب؛ المواطن يريد شيئا واحدا: حلا سريعا، وإجراء واضحا، وتعاملا محترما. ومن هنا، فإن ملف (خدمة المواطن) لا يبدأ من مكتب الشكاوى فقط، بل يبدأ من منهج إداري يقوم على ثلاث
ركائز أساسية:
أولا: التواجد الميداني الحقيقي؛ لأن الإدارة من خلف المكاتب تصنع فجوة بين المواطن وصانع القرار.
وثانيا: تبسيط الإجراءات من خلال إعادة هندسة خطوات الخدمة وتقليل زمن الأداء، حتى يصبح المواطن شريكا في الحل لا ضحية للروتين.
وثالثا: المحاسبة والمؤشرات؛ لأن الخدمة العامة بلا قياس ومؤشرات أداء تتحول إلى حالة من الفوضى، وتصبح العدالة في تقديمها مجرد أمنية.
والحقيقة أن الإدارة المحلية الحديثة تحتاج إلى عقلية تشغيلية تعرف معنى “العمليات” وكيف تدار: تخطيط، تنفيذ، متابعة، ثم تقييم وتحسين. فهي لا تتعامل فقط مع ملف النظافة أو الرصف أو الإنارة، بل تدير منظومة متشابكة تشمل المرافق والخدمات، والتنسيق بين الجهات، وإدارة
الموارد وفق أولويات واضحة، مع الاستفادة من التحول الرقمي في تقليل الاحتكاك المباشر، وتحقيق الشفافية، وإغلاق منافذ الفساد الإداري.
إن تطوير ملف خدمة المواطن لا يتحقق بإجراءات متفرقة، بل يحتاج إلى نظام متابعة موحد، ووقت محدد للرد، وآلية واضحة للتحقق من التنفيذ، وربط الأداء بالثواب أو المساءلة، لأن المواطن لا يعنيه اسم المسؤول، بل يعنيه أن يرى أثرا حقيقيا على الأرض. ومن أهم الأدوات التي
يجب تفعيلها: مركز موحد لتلقي الطلبات، قواعد بيانات للخدمات، تحديد مسؤولية كل جهة بدقة، وتحديث مستمر لمؤشرات الأداء داخل كل حي ومركز ومدينة.
ولأن الإدارة المحلية هي بوابة الدولة الأولى لمشكلات الناس، فإن التحدي الأكبر أمام القيادات المحلية هو تحويلها من جهاز بيروقراطي إلى مؤسسة خدمية وتنموية تعمل بعقلية ” نتائج ” لا عقلية “إجراءات” وتضع المواطن في مقدمة أولوياتها. فالتنمية لا تبدأ من المشروعات الكبرى
فقط، بل تبدأ من حق المواطن في خدمة يومية محترمة وسريعة وعادلة.
إننا في مرحلة تحتاج إلى قيادات تعرف كيف تدير العمليات، وكيف تنفذ، وكيف تتابع، وكيف تحاسب… لأن الثقة تبنى بالفعل، وليس بالكلام. وخدمة المواطن في النهاية ليست بندا إداريا، بل هي جوهر الدولة الحديثة، ومفتاح الاستقرار، وأساس التنمية.