أسماء عبدالله تكتب | من برج العرب إلى جيبوتي

0

في يوم واحد، رفعت مصر رايتين: راية العلم والتنوير في برج العرب، وراية الصداقة في جيبوتي. وبين هذين الحدثين، تبدو الصورة أكثر وضوحا.
في التاسع من مايو عام 2026، خطّت الدبلوماسية المصرية سطرين جديدين في سجل علاقاتها الإقليمية والدولية، جمعا بين عمق الانتماء الإفريقي والشراكة الاستراتيجية مع القوى العالمية. فبينما كان الرئيس عبد الفتاح السيسي يشهد افتتاح صرح أكاديمي جديد غرب الإسكندرية، كان رئيس وزرائه الدكتور مصطفى مدبولي يشارك في احتفالات تنصيب رئيس في شرق القارة. هذان المشهدان المتزامنان ليسا مجرد فعاليات منفصلة، بل يرسمان لوحة متكاملة لمصر وهي تمسك بخيوط التنمية والسياسة معا لترسيخ مكانتها كقوة مؤثرة في محيطها الدولي والأفريقي معا.
في مدينة برج العرب الجديدة، شهد الرئيس عبدالفتاح السيسي والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مراسم تدشين المقر الجديد لجامعة سنجور، في خطوة تؤكد الدور الرائد للقاهرة كمركز إقليمي للتعليم العالي. ويمثل هذا الصرح الأكاديمي، الذي تأسس عام 1990 بموجب اتفاقية بين الحكومة المصرية والمنظمة الدولية للفرنكوفونية، علامة فارقة في مسيرة التعاون المصري الفرنسي من أجل تنمية القارة.
الحرم الجامعي الجديد، الذي يمتد على مساحة 10 أفدنة، صُمم كمنارة أكاديمية لمضاعفة الطاقة الاستيعابية للجامعة، مستضيفا في مرحلته الأولى 143 طالبا أفريقيا في تخصصات حيوية تشمل الإدارة، الصحة، البيئة، والثقافة. وتستهدف الخطة الاستراتيجية للجامعة “2026-2030” ؛تكوين كوادر قيادية قادرة على تحقيق التنمية المستدامة في القارة، مما يعكس رؤية مصر كجسر للتنمية المعرفية بين القارة.
في التوقيت ذاته، حمل الدكتور مصطفى مدبولي، نيابة عن الرئيس عبدالفتاح السيسي، رسالة أخوة وتضامن إلى العاصمة جيبوتي، للمشاركة في حفل تنصيب الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيله لولاية جديدة. هذه المشاركة الرفيعة لم تكن مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل جسدت رغبة البلدين في ترجمة الروابط التاريخية إلى شراكات استراتيجية ملموسة، وحرص على التنسيق المستمر مع الأشقاء الأفارقة.
وتُوجت هذه الأجواء الإيجابية بتصريح الرئيس جيله بأن “العلاقة مع مصر تمثل نموذجا يُحتذى به للتعاون”.
إن تزامن افتتاح جامعة سنجور مع المشاركة في تنصيب الرئيس الجيبوتي ليس مصادفة، بل هو تجسيد لاستراتيجية وطنية تقوم على “دبلوماسية التنمية”؛ حيث يتحول الاستقرار السياسي إلى جسر للتنمية، وتصبح الاستثمارات المعرفية أداة لتعزيز النفوذ الإقليمي. فبينما تعمل جامعة سنجور كمنصة لإعداد “قادة المستقبل الأفارقة”، تعكس الاستثمارات في الموانئ والبنية التحتية مع جيبوتي حرص مصر على تأمين مصالحها في بوابة البحر الأحمر الحيوية.
إن ما يجمع الحدثين هو رؤية واحدة: الاستثمار في إفريقيا معرفيا واقتصاديا. مصر، التي تستضيف جامعة سنجور، تؤكد أنها ليست مجرد دولة عابرة في محيطها، بل صانعة للتنمية وحاضنة للعلم. ومن خلال دعمها لاستقرار جيبوتي، تثبت أنها شريك يعتمد عليه في بناء مستقبل المنطقة.
مصر لا تكتفي بدور المشاهد على تاريخ قارتها، بل تصوغه بيديها. فبين بناء العقول في المدرجات الجامعية، ومد جسور التعاون مع الأشقاء، تؤكد القاهرة للجميع أن مستقبل إفريقيا هو أولويتها الاستراتيجية الأولى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.