محمد حوام يكتب | الترند ليس إنجازًا
في السنوات الأخيرة، أصبح من الصعب أن يمر يوم واحد دون ظهور ترند جديد يشغل الناس على مواقع التواصل الاجتماعي. وبينما كان من المفترض أن تكون هذه المنصات مساحة لتبادل المعرفة والخبرات والأفكار، تحولت في كثير من الأحيان إلى سباق محموم نحو الشهرة، بغض النظر عن الوسيلة أو المحتوى.
المشكلة ليست في الترند نفسه، فالتفاعل مع الأحداث جزء طبيعي من حياة المجتمعات الحديثة. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الترند هدفًا، وعندما يقتنع البعض أن الظهور أهم من التأثير، وأن عدد المشاهدات أهم من قيمة ما يتم تقديمه.
المتابع للشارع المصري يلاحظ أن بعض السلوكيات التي كانت مرفوضة اجتماعيًا أصبحت تجد من يبررها أو حتى يشجعها طالما أنها تحقق انتشارًا على مواقع التواصل. وأصبحنا نرى من يتعمد إثارة الجدل، أو افتعال المشكلات، أو تجاوز حدود الذوق العام فقط من أجل الوصول إلى دائرة الضوء ولو لفترة قصيرة.
الأخطر من ذلك أن بعض الشباب أصبحوا ينظرون إلى الشهرة باعتبارها إنجازًا في حد ذاتها، بينما الحقيقة أن الشهرة ليست إنجازًا إلا إذا كانت نتيجة عمل أو موهبة أو إضافة حقيقية للمجتمع. فليس كل مشهور ناجحًا، وليس كل ناجح مشهورًا.
ما يدعو للتأمل أن مصر مليئة بالنماذج المشرفة في مختلف المجالات. هناك شباب يحققون نجاحات علمية، وآخرون يؤسسون مشروعات واعدة، وغيرهم يحققون إنجازات رياضية وثقافية مهمة. لكن في كثير من الأحيان لا يحظى هؤلاء بجزء من الاهتمام الذي يحصل عليه شخص تصدر المشهد بسبب موقف مثير للجدل أو محتوى بلا قيمة حقيقية.
ولا يمكن تحميل المسؤولية لطرف واحد. فالجمهور شريك أساسي في صناعة الترند. كل مشاهدة، وكل مشاركة، وكل تعليق يساهم في منح مزيد من الانتشار لمحتوى معين. لذلك فإن إعادة ترتيب الأولويات تبدأ من وعي المجتمع نفسه بما يستحق الدعم وما لا يستحق.
نحن لا نحتاج إلى محاربة التكنولوجيا أو رفض وسائل التواصل الاجتماعي، فهي أدوات يمكن أن تكون وسيلة للبناء كما يمكن أن تكون وسيلة للهدم. ما نحتاجه حقًا هو إعادة الاعتبار لفكرة القيمة، وأن يدرك الجميع أن النجاح الحقيقي لا يقاس بعدد المتابعين، بل بحجم التأثير الإيجابي الذي يتركه الإنسان في محيطه.
فالأوطان لا تتقدم بالضجيج، ولا تُبنى بالجدل المستمر، وإنما تتقدم بالعلم والعمل والالتزام. أما الترند، مهما كانت قوته، فهو في النهاية لحظة عابرة، بينما تبقى الإنجازات الحقيقية شاهدة على أصحابها لسنوات طويلة.