د. نجوي الهواري تكتب | سنابل بلا قمح
لم يعد الغش في ميدان التعليم مجرد حيلة عابرة يلوذ بها طالب مقصر؛ بل تحول، في ظل ما نشهده اليوم، إلى ظاهرة هيكلية، وثقافة مجتمعية مقبولة تكاد تطيح بقدسية المعرفة من جذورها. إننا لا نقف هنا أمام درجات تسرق، أو امتحانات تخترق، بل أمام تشويه جيني متعمد لوعي هذه الأمة، وهدم صامت لمستقبل أجيالنا القادمة..
إن مأساة الغش تبدأ بذرتها الأولى في فصول المدارس الصغيرة عندما يلقن الطفل أن الدرجة النهائية هي الغاية الأسمى، حتى لو جاءت على حساب الأمانة، فعندما تتواطأ بعض الأسر تحت وطأة الرغبة في المظاهر الجوفاء، نكون قد حولنا المدرسة من محراب للتربية إلى سوق لتزييف العقول، لينتقل الطالب إلى الجامعة وقد صار الغش عنده مهارة يتفاخر بها، وحقاً مكتسباً لا خجل فيه. إن المؤسسات التعليمية ليست مصنعاً لمنح الشهادات الورقية، بل هي المختبر المعد لإنتاج الإنسان، وصقل ضميره قبل عقله. ومن واقع تجربتي في ميادين الامتحانات بالجامعة، فإننا كأعضاء هيئة تدريس لم نعد نطارد محاولات خفية لسرقة إجابة يتوارى صاحبها خجلاً؛ بل صرنا نجابه ملامح ثقة جريئة، ونظرات مستبدة تجعل من “الغشاش” صاحب حق! إنه التحول المرعب في عقول بناتنا وأبنائنا الذي جعل الغش مظهراً اعتيادياً، وحقاً مكتسباً، لنعلن بذلك عن موت السعي وشلل الشغف لديهم. فكيف ليد اعتادت قطف ثمار لم تزرعها، ونقل سطور لم تسهر عليها، أن تبني غداً #وطناً أو تقود #جيلاً ؟!! إن طالب اليوم الذي يتخرج متكئاً على عكاز الغش، هو مهندس الغد الذي سيتهاوى سقفه، وطبيب الغد الذي سيسهو عن نبض مريضه، ومعلم الغد الذي سيلقن الأجيال كيف يسرقون الضوء دون عناء الاشتعال. فما نراه اليوم في مدارسنا وجامعاتنا ليس أزمة تعليمية، بل هو أزمة وجودية بامتياز. فالمستقبل لا يبنى بالقص واللصق، والحضارات لا تقوم على إجابات مستعارة من خلف الستار. إن الضعف المعرفي الذي يتسلل إلى أركان الجامعات اليوم سيترجم غداً إلى عجز عن مواجهة التحديات الكبرى، وإلى تبعية فكرية مطلقة، حيث تصبح عقول شبابنا مجرد مستهلك باهت لأفكار الآخرين وإنتاجاتهم.
علينا أن ندرك جميعاً ، مجتمع ومؤسسات ، أن إنقاذ المستقبل يبدأ من إعادة الهيبة لـ #مشقة_التعلم. فالخسارة الحقيقية ليست في رسوب طالب لم يجتهد، بل في نجاح زائف يمنحنا شعوراً مخادعاً بالأمان.لقد آن الأوان لكي نوقظ في نفوس أبنائنا لوعة البحث ولذة الكشف، وأن نذكرهم بأن الحقيقة، مهما كانت وعرة، أكرم للإنسان من وهم مريح. إننا بحاجة إلى ثورة أخلاقية تعيد صياغة الوعي، لكي نضمن أن الأجيال القادمة سترث منا عقولاً حرة، لا مجرد شهادات صامتة معلقة على حوائط موشكة على السقوط.