د. إيمان موسى  تكتب | خريطة مصر الغالية

0

“الخريطة ليست رسماً.. بل قضية سيادة: لماذا يجب أن نتوقف عن نشر مصر مبتورة؟”
تمثل الخريطة الوطنية لأي دولة أكثر من مجرد رسم جغرافي أو شكل توضيحي يُستخدم في الكتب والعروض التقديمية والمنشورات الإعلامية؛ فهي تجسيد مادي للسيادة الوطنية والحدود المعترف بها للدولة، ورمز من رموز الهوية والانتماء الوطني. ومن هذا المنطلق، يثير القلق تكرار ظهور خريطة مصر في العديد من المواد التعليمية والإعلامية والرقمية بصورة ناقصة تستبعد منطقة حلايب وشلاتين، سواء عن جهل أو عدم انتباه أو نتيجة الاعتماد على قوالب وخرائط جاهزة متداولة على شبكة الإنترنت.
المشكلة لا تقتصر على مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي أو عامة المواطنين، بل امتدت في بعض الأحيان إلى مؤسسات أكاديمية وإعلامية يفترض أنها الأكثر وعياً ودقة في التعامل مع الرموز الوطنية. فقد شهدنا خلال السنوات الماضية أكثر من واقعة تم فيها نشر خريطة مصر ناقصة من قبل جهات رسمية أو شخصيات عامة، واضطرت هذه الجهات إلى تعديلها بعد تنبيه المتابعين والمختصين. الأخطر من ذلك أن بعض المسؤولين أو القائمين على هذه الصفحات لم يدركوا في البداية حجم المشكلة أو أبعادها الرمزية والسياسية.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فالمفارقة أن كثيراً من المصريين الذين يسعون للدفاع عن وطنهم في النقاشات العامة وعلى منصات التواصل الاجتماعي يقعون دون قصد في الخطأ نفسه. ففي أثناء الرد على حملات تستهدف الدولة المصرية أو التشكيك في مواقفها، يستخدم البعض خرائط لمصر لا تتضمن مثلث حلايب وشلاتين، فيتحول دفاعهم عن الدولة إلى مساهمة غير مقصودة في تكريس صورة جغرافية مبتورة عنها. وهنا تكمن خطورة ما يمكن تسميته بـ”التطبيع البصري” مع الخرائط الناقصة، حيث تتكرر الصورة الخاطئة إلى درجة تجعلها مألوفة لدى الأجيال الجديدة.
يزيد من تعقيد المشكلة أن العديد من المواقع الإلكترونية العالمية وبرامج التصميم وقواعد البيانات الجغرافية تعتمد نماذج خرائط لا تتوافق دائماً مع الرؤية المصرية للحدود، وهو أمر يجب التعامل معه بوعي وحذر. وفي عالم تتصاعد فيه حروب المعلومات والتأثير الرقمي، لم تعد الخرائط مجرد أدوات تقنية محايدة، بل أصبحت جزءاً من معركة السرديات والرموز والرسائل غير المباشرة. فالصورة التي تتكرر آلاف المرات قد تصبح أكثر تأثيراً من عشرات التصريحات السياسية.
لذلك فإن مواجهة هذه الظاهرة لا ينبغي أن تقتصر على تصحيح الأخطاء بعد وقوعها، بل يجب أن تبدأ من المنظومة التعليمية ذاتها. فمن المهم أن يتعرف الطلاب منذ المراحل الدراسية الأولى على الخريطة الكاملة لمصر وحدودها ومكوناتها الجغرافية، وأن يتم التأكيد على ذلك في مناهج الدراسات الاجتماعية والجغرافيا والأنشطة المدرسية. كما ينبغي تدريب الطلاب على قراءة الخرائط بصورة نقدية وتمييز الخرائط الصحيحة من غيرها، خاصة في ظل الاعتماد المتزايد على المحتوى الرقمي.
وفي الوقت نفسه، تقع مسؤولية كبيرة على وسائل الإعلام والمؤسسات الأكاديمية ومراكز البحوث والجهات الحكومية، من خلال وضع ضوابط واضحة لاستخدام الخرائط الوطنية في المطبوعات والعروض التقديمية والمواقع الإلكترونية. كما يمكن للهيئات المختصة توفير نسخ رقمية رسمية ومعتمدة من الخريطة المصرية وإتاحتها للجمهور مجاناً، بما يحد من الاعتماد على المصادر غير الموثوقة.
إن الحفاظ على الوعي بالحدود الوطنية لا يتحقق فقط عبر المواقف السياسية أو الوثائق الرسمية، بل يبدأ أيضاً من التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو للبعض غير مهمة. فالخريطة التي يراها الطفل في كتابه المدرسي، أو الباحث في عرضه التقديمي، أو المواطن في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، تساهم جميعها في تشكيل الإدراك الجمعي لمعنى الوطن وحدوده. ومن هنا فإن نشر خريطة مصر كاملة ليس مجرد التزام بالدقة الجغرافية، بل هو أيضاً تعبير عن الوعي الوطني واحترام السيادة والحفاظ على الذاكرة البصرية للدولة المصرية.
وفي زمن تتنافس فيه الدول على ترسيخ رواياتها ورموزها الوطنية، يصبح من الضروري أن ننتبه لما ننشره ونستخدمه من خرائط وصور، لأن الدفاع عن الوطن لا يكون فقط بالكلمات، وإنما أيضاً بالحفاظ على صورته الصحيحة في الوعي العام. فالخريطة ليست رسماً عابراً، بل رسالة وسيادة وهوية يجب أن تُصان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.