اسماء عبدالله  تكتب | التنسيقية والمشاركة الوطنية

0

تعتبر مصر من أوائل الدول العربية والأفريقية التي آمنت مبكرا بدور الشباب وأهمية دمجهم في مسارات التنمية وصناعة القرار، إدراكا منها بأن استدامة أي مشروع وطني لا يمكن أن تتحقق دون مشاركة فاعلة من الأجيال الجديدة.

وتجدر الإشارة أن الدول التي نجحت في تحقيق قفزات تنموية حقيقية لم تنظر إلى الشباب باعتبارهم مجرد مستفيدين من السياسات، وإنما باعتبارهم شركاء في صياغتها وتنفيذها وتقييم نتائجها.

إن مشاركة الشباب في صناعة السياسات لا ترتبط فقط بحقهم في التعبير عن رؤيتهم؛ بل تنبع من ضرورة الاستفادة من طاقاتهم وخبراتهم وقدرتهم على فهم التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم.

وأسفرت التجارب على أن وجود الشباب داخل دوائر الحوار وصناعة القرار يسهم في تطوير حلول أكثر واقعية وقربا من احتياجات المجتمع، ويمنح المؤسسات قدرة أكبر على التفاعل مع المتغيرات المستقبلية.

وفي التجربة المصرية خلال السنوات الأخيرة برز توجه واضح نحو توسيع دوائر المشاركة السياسية والمجتمعية للشباب، ليس فقط من خلال برامج التأهيل والتدريب، وإنما عبر إتاحة مساحات حقيقية للمشاركة في النقاش العام وصناعة الرؤى والسياسات.

وتُعد “تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين” واحدة من أبرز النماذج التي عكست هذا التوجه، حيث قدمت تجربة مختلفة جمعت بين التنوع السياسي والفكري والديموغرافي تحت مظلة وطنية واحدة، وأتاحت للشباب فرصا حقيقية للمشاركة في العمل البرلماني والحزبي والمجتمعي، بما أسهم في خلق جيل جديد أكثر قدرة على فهم الدولة وتحدياتها ومتطلبات تطويرها.

وتكمن أهمية هذه التجربة في أنها لم تقتصر على المركزية فحسب؛ بل امتدت إلى المحافظات المختلفة، بما فيها محافظات الصعيد والمحافظات الحدودية التي ظلت لعقود طويلة تعاني من محدودية فرص المشاركة السياسية مقارنة بالمراكز الرئيسية.

ووجود كوادر شبابية فاعلة في أسوان والوادي الجديد ومطروح وشمال سيناء وجنوبها وحلايب وشلاتين وغيرها من المحافظات يعكس إدراكا متزايدا بأن التنمية السياسية لا يمكن أن تتحقق بصورة متوازنة إذا ظلت محصورة في نطاق جغرافي ضيق.

وتحمل المحافظات الحدودية على وجه الخصوص خصوصية استراتيجية تجعل من تمكين شبابها ضرورة وطنية تتجاوز الاعتبارات السياسية التقليدية. فهذه المحافظات تمثل خطوط التماس الأولى مع محيط مصر الإقليمي، وتلعب دورا مهما في حماية الأمن القومي وتعزيز الاستقرار المجتمعي. ومن ثم فإن إشراك شبابها في الحياة العامة وصناعة الرؤى التنموية يسهم في تعزيز شعورهم بالشراكة والانتماء، ويحولهم إلى قوة داعمة لجهود الدولة في التنمية والاستقرار. وينطبق الأمر ذاته على محافظات الصعيد التي تمتلك رصيدا بشريا وثقافيا كبيرا، وتحتاج إلى مزيد من الفرص التي تسمح لشبابها بالمشاركة في قيادة مجتمعاتهم المحلية والمساهمة في رسم أولوياتها التنموية.

ولا تقتصر أهمية مشاركة الشباب على تحقيق التمثيل العادل للفئات العمرية المختلفة، بل تمتد إلى تعزيز كفاءة السياسات العامة ذاتها. فكلما اتسعت دائرة المشاركين في النقاش وصنع القرار، زادت قدرة الدولة على فهم التحديات الحقيقية التي تواجه المواطنين، وارتفعت فرص الوصول إلى حلول أكثر استدامة وفاعلية. كما أن إشراك الشباب في العمل العام يخلق حالة من التفاعل الإيجابي بين الدولة والمجتمع، ويعزز الثقة المتبادلة ويحد من مشاعر التهميش والعزوف عن المشاركة.

إن بناء المستقبل لا يتحقق فقط من خلال المشروعات والبنية التحتية والاستثمارات الاقتصادية، وإنما يحتاج كذلك إلى استثمار مواز في الإنسان، وإلى إيمان حقيقي بأن الشباب ليسوا مجرد قادة الغد كما جرت العادة على وصفهم، بل هم شركاء الحاضر أيضا. وعندما تتاح لهم الفرصة للمساهمة في صياغة السياسات والتعبير عن أولويات مجتمعاتهم، يصبحون جزءا من عملية البناء الوطني بكل أبعادها، وتتحول المشاركة من مفهوم نظري إلى ممارسة واقعية قادرة على إنتاج أفكار جديدة وحلول مبتكرة تدعم مسيرة التنمية وتعزز استقرار الدولة وقدرتها على مواجهة تحديات المستقبل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.