محمد جمال قنديل يكتب |  الأوكتاجون.. قراءة استراتيجية

0

شهدت مصر لحظة فارقة في مسيرة تطوير مؤسساتها السيادية، بافتتاح الرئيس عبد‌‌ الفتاح السيسي، القائد الأعلى للقوات المسلحة، مقر القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية المعروف باسم‌‌ “الأوكتاجون”، في قلب العاصمة الإدارية الجديدة. ولم يكن هذا الحدث مجرد افتتاح مبنى حكومي جديد، بل‌‌  تدشينًا لمنظومة قيادة وسيطرة تُعد الأضخم من نوعها على مستوى العالم، وأعتقد أنها تستحق قراءة‌‌ تحليلية متأنية تتجاوز البهرجة الإعلامية إلى فهم أبعادها الحقيقية.

ما هو الأوكتاجون؟

يقوم المقر على تصميم هندسي ثماني الأضلاع استُلهم منه اسمه، ويتكون من ثمانية مبانٍ رئيسية مثمنة‌‌ الشكل ترتبط جميعها بمبنى مركزي للقيادة والأركان، بما يرمز إلى التكامل والترابط بين مختلف أفرع القوات‌‌ المسلحة والمؤسسات السيادية. يمتد المجمع على مساحة إجمالية تبلغ نحو ‌‌22‌‌ ألف فدان، مقسمة إلى ‌‌13‌‌

منطقة استراتيجية ولوجستية متكاملة، لكل منها دورها الخاص، ما يجعله يتجاوز البنتاغون الأمريكي من‌‌ حيث المساحة ليصبح أكبر مقر دفاعي ومجمع مباني قيادية في العالم. اللافت في المشروع أنه صُمم ونُفذ بالكامل بسواعد مصرية، بالتعاون بين رجال القوات المسلحة وكبرى‌‌

الشركات الوطنية، وهذا في حد ذاته مؤشر على قدرة الدولة الهندسية والتنفيذية التي لا ينبغي الاستهانة بها. الوظيفة الحقيقية.. ليست مجرد مبنى

يخطئ من يتصور أن الأوكتاجون مجرد مقر إداري فخم لوزارة الدفاع. الحقيقة أن الهدف من إنشائه هو‌‌ توحيد غرف العمليات والمؤسسات السيادية داخل مركز قيادة واحد، بما يرفع من سرعة تداول المعلومات‌‌ واتخاذ القرار في اللحظات الحرجة. المقر مزود بمنظومة اتصالات متقدمة تعتمد على تقنيات الجيلين‌‌ الخامس والسادس، وشبكات ألياف ضوئية واتصالات لاسلكية مشفرة تربطه بمختلف مؤسسات الدولة‌‌

والمحافظات والتشكيلات العسكرية، إضافة إلى منظومة أقمار صناعية مصرية مخصصة لدعم أعمال‌‌ الاستطلاع والاستخبارات.

كما أن التصميم الإنشائي يراعي مقاومة الانفجارات والهجمات الجوية المحتملة، مع بنية تحتية للبيانات‌‌ الحيوية أُقيمت تحت الأرض لضمان أعلى درجات الحماية والاستمرارية حتى في أسوأ السيناريوهات.

لماذا هذا المشروع مهم لمصر؟

من منظوري كطالب علوم سياسية واقتصاد، أرى أن أهمية الأوكتاجون لا تكمن فقط في ضخامته المادية، بل‌‌ في الرسالة الاستراتيجية التي يحملها على ثلاثة مستويات:

أولًا، مستوى الردع والجاهزية

في منطقة تعيش على وقع أزمات متلاحقة، من الملف الفلسطيني إلى تطورات ليبيا والسودان وشرق‌‌ المتوسط، امتلاك مصر لمنظومة قيادة وسيطرة موحدة وسريعة الاستجابة يعني قدرة أكبر على إدارة أي أزمة‌‌ أمنية أو عسكرية دون تأخير أو تشتت مؤسسي. هذا نوع من الردع “غير المعلن” الذي يرسل رسالة لكل‌‌ الأطراف الإقليمية بأن مصر تمتلك بنية قيادية يصعب اختراقها أو تعطيلها.

ثانيًا، مستوى إدارة الأزمات الداخلية

الأوكتاجون ليس حصريًا لإدارة الحروب، بل هو أيضًا مركز عصبي موحد لإدارة الطوارئ والكوارث على‌‌ مستوى الجمهورية، من الفيضانات إلى الأزمات الصحية أو الاقتصادية الطارئة. هذا يعزز من كفاءة الدولة في‌‌ التعامل مع أي طارئ بلغة تنسيقية واحدة وبأقصى سرعة، وهو ما تفتقر إليه كثير من الدول التي تدير أزماتها‌‌ عبر جهات متفرقة تتضارب قراراتها.

ثالثًا، مستوى الرمزية السياسية

اختيار توقيت الافتتاح، بالتزامن مع الذكرى الثالثة عشرة لثورة ‌‌30‌‌ يونيو، لم يكن عبثيًا. المشروع يُقدَّم‌‌ كأحد ركائز ما تسميه القيادة السياسية بـ”الجمهورية الجديدة”، أي دولة تبني مؤسساتها وفق رؤية بعيدة‌‌ المدى لا ردود أفعال آنية. وهذا في تقديري بُعد مهم، لأن الدول التي تستثمر في بنيتها المؤسسية قبل أن‌‌ تفرض عليها الأزمات ذلك، هي غالبًا الدول الأكثر قدرة على الصمود.

البعد الاقتصادي والتنموي

هناك زاوية أخرى أراها جديرة بالتأمل، وهي العلاقة بين هذا المشروع الضخم ومسار التنمية الاقتصادية في‌‌ مصر. فمشروع بهذا الحجم يعني بالضرورة تدفق استثمارات كبرى في قطاعات المقاولات والهندسة‌‌ والاتصالات، وهو ما يخلق فرص عمل ويحرك سلاسل توريد محلية كاملة، بدءًا من مواد البناء وحتى شركات‌‌ التكنولوجيا الناشئة. كما أن اعتماد المشروع على الخبرات والشركات الوطنية بالكامل يرسل رسالة ثقة في‌‌

قدرة الصناعة المصرية على تنفيذ مشروعات معقدة دون الاعتماد الكلي على مقاولين أو تقنيات أجنبية، وهذا‌‌ يراكم خبرة فنية يمكن للدولة توظيفها لاحقًا في مشروعات مدنية أخرى.

لكن في المقابل، لا يمكن إغفال أن مثل هذه المشروعات تُموَّل من موازنة الدولة في وقت تعاني فيه مصر‌‌ من ضغوط اقتصادية حقيقية، من عبء الدين الخارجي إلى ارتفاع معدلات التضخم وتأثيرها على الطبقات‌‌ الأكثر احتياجًا. لذلك، أرى أن السؤال الأهم ليس “هل نحتاج إلى الأوكتاجون؟” فالإجابة على الأرجح نعم من‌‌ الناحية الأمنية والاستراتيجية، بل “كيف نوازن بين متطلبات الأمن القومي ومتطلبات التنمية الاجتماعية‌‌ والاقتصادية في آنٍ واحد؟” وهو سؤال يتحمل مسؤوليته صناع القرار الاقتصادي بقدر ما يتحمله صناع‌‌ القرار العسكري.

   ‌‌مستوى الأثر الاقتصادي

 لا يمكن أيضًا إغفال البعد الاقتصادي لمشروع بهذا الحجم؛ فتنفيذه بالكامل عبر شركات ومقاولين مصريين‌‌ يعني ضخ استثمارات ضخمة في قطاعات المقاولات والصناعات الهندسية والتكنولوجية المحلية، ونقل خبرة‌‌ تراكمية لجيل جديد من المهندسين والفنيين المصريين في بناء منشآت معقدة ومحصنة. وبصرف النظر عن‌‌ الجدل حول حجم التكلفة، فإن مثل هذه المشروعات القومية الكبرى تخلق أثرًا تراكميًا في سلاسل التوريد‌‌

المحلية، ويمكن أن تتحول لاحقًا إلى نموذج يُصدَّر لدول أخرى في المنطقة تبحث عن خبرات مماثلة في‌‌ البناء الدفاعي والمقاوم للكوارث.

قراءة نقدية لا بد منها

مع ذلك، أرى أن الحكم على قيمة هذا المشروع الحقيقية لن يكون من خلال حجمه أو تصميمه المعماري، بل‌‌ من خلال أدائه الفعلي عند أول اختبار حقيقي لإدارة أزمة كبرى. فالمنظومات القيادية مهما بلغت من التطور‌‌ التقني، تظل بحاجة إلى كفاءة بشرية وتنسيق مؤسسي حقيقي بين الوزارات والجهات السيادية، وهو تحدٍ‌‌ إداري لا تقني في الأساس. كما أن ضخامة الإنفاق على مثل هذه المشروعات تفتح نقاشًا مشروعًا حول‌‌

الأولويات التنموية، وهو نقاش لا ينبغي تجنبه بحجة “الحساسية الأمنية”.

وهنا أرى أن الشفافية النسبية التي رافقت الإعلان عن المشروع، من عرض تفاصيله الهندسية إلى شرح‌‌ فلسفته الاستراتيجية أمام الرأي العام، تمثل بحد ذاتها تطورًا لافتًا في خطاب الدولة، إذ تسمح بنقاش عام‌‌ مسؤول حول جدوى هذه الاستثمارات الكبرى، بدلًا من تركها حكرًا على دوائر ضيقة من صناع القرار.

خلاصة

الأوكتاجون مشروع يعكس طموح مصر لبناء دولة حديثة قادرة على مواجهة تهديدات القرن الحادي‌‌ والعشرين، من الحروب السيبرانية إلى حروب الجيلين الرابع والخامس. وهو خطوة تستحق التقدير من‌‌ الناحية التقنية والاستراتيجية، لكن قيمته الحقيقية ستُقاس بمدى قدرته على ترجمة هذه البنية الضخمة إلى‌‌

كفاءة فعلية في صناعة القرار وحماية الأمن القومي المصري على المدى الطويل.

في النهاية، أعتقد أن مثل هذه المشروعات القومية الكبرى ينبغي أن تُقرأ دائمًا في سياقها الأوسع، لا كمنجز‌‌ منفصل عن واقع المواطن اليومي. فنجاح الأوكتاجون بمقاييس الأمن القومي لا يغني عن ضرورة أن تنعكس‌‌ فلسفة “الدولة القوية” ذاتها على ملفات التعليم والصحة والعدالة الاجتماعية بنفس القدر من الجدية‌‌ والطموح، لأن قوة الدولة الحقيقية في النهاية تُقاس بمدى تماسك مجتمعها وثقته في مؤسساته، بقدر ما‌‌ تُقاس بمنعة حدودها وقدرتها على الردع

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.