محمد نبيل يكتب | عن قانون البناء
شهدت مصر خلال السنوات الأخيرة جهودًا كبيرة لإعادة الانضباط إلى منظومة البناء والتخطيط العمراني، في إطار رؤية تستهدف القضاء على العشوائيات، وحماية الرقعة الزراعية، والحفاظ على حقوق الأجيال القادمة. وهي أهداف لا يختلف عليها أحد، بل تمثل ضرورة وطنية فرضتها تحديات تراكمت لعقود.
لكن مع التطبيق العملي لمنظومة البناء، برزت تحديات حقيقية انعكست بصورة مباشرة على المواطنين، خاصة الراغبين في البناء أو استكمال مساكنهم بصورة قانونية. فالحصول على رخصة بناء أصبح في كثير من الأحيان رحلة طويلة تبدأ بتعدد الجهات المختصة، وتمر بإجراءات فنية وإدارية معقدة، وتنتهي بفترات انتظار قد تمتد لأشهر، وهو ما أدى إلى تعطيل مصالح المواطنين وتأجيل العديد من المشروعات الخاصة، فضلًا عن تأثر قطاع المقاولات والصناعات المرتبطة به.
ولعل أكثر ما يثير تساؤلات المواطنين هو المفارقة التي أفرزها التطبيق. فالمواطن الذي يلتزم بالقانون منذ البداية، ويتقدم بطلب للحصول على ترخيص، قد يواجه سلسلة طويلة من الإجراءات والاشتراطات، بينما شهدت السنوات الماضية إقرار قوانين للتصالح على بعض مخالفات البناء، بهدف معالجة أوضاع قائمة وفقًا لما حدده القانون. ورغم أهمية هذه القوانين في التعامل مع واقع قائم، فإن كثيرًا من المواطنين بات لديهم شعور بأن الطريق القانوني أصبح أكثر تعقيدًا من الطريق غير القانوني، وهو انطباع يستحق الوقوف أمامه ومعالجته.
ولا يعني ذلك أن قوانين التصالح كانت خطأ، أو أنها شجعت المخالفات، فلكل مرحلة ظروفها ومتطلباتها، لكن الدرس المستفاد هو أن أي منظومة قانونية ناجحة يجب أن تمنح أفضلية واضحة للمواطن الملتزم، وأن تجعل الالتزام بالقانون هو الطريق الأسرع والأبسط والأقل تكلفة.
ومن هنا، فإن النقاش الدائر حول قانون البناء يجب ألا يقتصر على تعديل بعض المواد أو تخفيف بعض الاشتراطات، بل ينبغي أن ينطلق من سؤال أكثر شمولًا: هل أصبح قانون البناء الحالي، الذي صدر عام 2008، قادرًا على مواكبة المتغيرات العمرانية والإدارية التي شهدتها الدولة المصرية خلال السنوات الماضية؟
لقد تغيرت خريطة العمران في مصر بصورة كبيرة، وتوسعت الدولة في إنشاء المدن الجديدة، وتطورت أدوات التحول الرقمي، كما اكتسبت الإدارات المحلية خبرات جديدة، وهو ما يفرض إعادة النظر في الإطار التشريعي بالكامل، بما يحقق التوازن بين الانضباط العمراني وتيسير الإجراءات.
وفي تقديري، فإن أي تطوير حقيقي لمنظومة البناء يجب أن يقوم على خمسة محاور رئيسية:
أولًا: تبسيط إجراءات استخراج تراخيص البناء، وتقليل عدد الجهات المتدخلة، مع تحديد مدد زمنية ملزمة لإنهاء الطلبات.
ثانيًا: استكمال التحول الرقمي لمنظومة التراخيص، بما يضمن الشفافية وسهولة متابعة الطلبات، ويحد من البيروقراطية.
ثالثًا: منح الإدارات المحلية صلاحيات تنفيذية أوضح، مع رفع كفاءة العاملين بها وتوفير أدوات الرقابة والمساءلة.
رابعًا: مراعاة اختلاف طبيعة المحافظات والمناطق العمرانية، بحيث تكون هناك مرونة في تطبيق بعض الاشتراطات وفقًا للخصوصية العمرانية لكل منطقة، دون الإخلال بالضوابط العامة.
خامسًا: مراجعة العلاقة بين منظومة التراخيص ومنظومة التصالح، بما يضمن ألا يشعر المواطن الملتزم بأنه يتحمل أعباءً أكبر من غير الملتزم، وأن يكون احترام القانون هو الخيار الأكثر جدوى وعدالة.
إن نجاح أي تشريع لا يقاس فقط بقدرته على ردع المخالف، وإنما أيضًا بقدرته على تشجيع المواطن الملتزم. فكلما كان الطريق القانوني أكثر وضوحًا وسرعة وعدالة، ازدادت الثقة بين المواطن والدولة، وتحققت أهداف التنمية العمرانية بصورة أكثر استدامة.
إن مصر اليوم تمتلك فرصة حقيقية لإعادة صياغة منظومة البناء بما يتناسب مع الجمهورية الجديدة، ليس فقط من خلال تعديل بعض النصوص، وإنما عبر بناء قانون أكثر مرونة، وإجراءات أكثر كفاءة، وإدارة محلية أكثر قدرة على تقديم الخدمة للمواطن. فالقانون الناجح هو الذي يحقق الانضباط دون أن يرهق المواطن، ويحافظ على هيبة الدولة دون أن يعطل التنمية، ويجعل الالتزام بالقانون هو الطريق الطبيعي، لا الطريق الأصعب.