مرقس مدحت فخري يكتب | أعداء الجمهورية الجديدة
لعقود طويلة، استقر في الوجدان العام أن “العدو” هو بالضرورة جيش أجنبي يقف وراء الحدود، أو مؤامرة إقليمية تُحاك في الغرف المغلقة. لكن قراءة الواقع بتجرد تكشف لنا أن مفهوم الحروب قد تغير؛ فالجبهات الأخطر اليوم ليست تلك التي تُطلق فيها المدافع، بل هي جبهات داخلية، صامتة، وتعمل ببطء. مصر، بموقعها وثقلها، تواجه اليوم أعداء شرسين، لا يرفعون أعلاماً معادية، ولا يرتدون زياً عسكرياً، لكنهم يهددون حلم “الجمهورية الجديدة” بشكل مباشر، مما يستوجب مواجهتهم بوعي حقيقي.يبرز الوحش الديموغرافي، أو الزيادة السكانية غير المنضبطة، كعدو أول يلتهم ثمار أي نمو اقتصادي قبل أن يشعر به المواطن. أن تنمو ديموغرافياً بمعدل يفوق قدرة مواردك الطبيعية والخدمية من مياه ومدارس ومستشفيات يعني أنك تسير في حلقة مفرغة. الزيادة السكانية هنا ليست “قوة بشرية” طالما أنها تفتقر إلى التأهيل والتعليم النوعي، بل تتحول إلى عبء يضغط على أعصاب الدولة. وبالتوازي مع هذا الخطر الملموس، ينشط عدو آخر في فضاءات العالم الافتراضي، وهو رصاص الشائعات وتزييف الوعي. ففي عصر “حروب الجيل الخامس”، لم يعد الهجوم يستهدف الأجساد بل العقول. الشائعات اليوم تصنعها غرف عمليات محترفة وتُبث عبر منصات التواصل الاجتماعي مستغلة الأزمات الاقتصادية، لتستهدف “الروح المعنوية” للمواطن، وتحاول ضرب الثقة بين الشعب ومؤسساته، وتحويل الإحباط إلى سلوك يومي معطل للإنتاج.وعلى الصعيد الإداري والاقتصادي، يظل غول البيروقراطية حائط صد أمام الاستثمار المحلي والأجنبي، رغم كل جهود التحول الرقمي. ما زال “عقل الموظف القديم” وثقافة “فوت علينا بكرة” يخنقان الأفكار المبتكرة للشباب، ويعطلان وتيرة المشروعات، ويحولان القوانين الجيدة إلى نصوص ميتة في أدراج المكاتب. ويترافق هذا الترهل الإداري مع آفة الفساد الصغير، المتمثلة في تآكل الضمير الوظيفي، حيث الموظف الذي يرتشي لتمرير مخالفة بناء، أو الطبيب الذي يغيب عن وحدته الصحية، مما يدمر شبكة الأمان الاجتماعي ويشيع حالة من عدم العدالة. وإلى جانب ذلك، تستنزف ثقافة الاستهلاك وغياب الهوية الإنتاجية، فقد تحول المجتمع بفعل الانفتاح غير المدروس إلى مجتمع “مستهلك شره”، يغرس في الأجيال الجديدة قيم الوجاهة الاجتماعية الزائفة على حساب قيمة العمل اليدوي، والتصنيع، والتصدير.ولأن التنمية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بوعي الأفراد، فإن أمية القرن الحادي والعشرين، المتمثلة في التعليم الشكلي، تُعد خطراً جسيماً. فخروج الطلاب من المنظومة التعليمية دون امتلاك مهارات حقيقية تناسب سوق العمل الحديث، مثل البرمجة واللغات، يعني إنتاج طاقات معطلة، ويجعل قطاع التعليم عبئاً بدلاً من أن يكون قاطرة للمستقبل.ولا تتوقف التهديدات عند الحدود البشرية والإدارية، بل تمتد لتشمل تحديات البقاء الطبيعية والإقليمية. الفقر المائي والتغير المناخي يمثلان عدواً قادماً من الطبيعة والسياسة معاً؛ فحصة مصر التاريخية من مياه النيل لم تعد تكفي احتياجات أكثر من 100 مليون نسمة، بينما يهدد التغير المناخي دلتا مصر، سلة غذائها، بارتفاع منسوب البحر وزيادة ملوحة التربة، مما يجعل الأمن المائي والغذائي معركة وجود حقيقية. يُضاف إلى ذلك كله ضغط النزوح الإقليمي نتيجة اشتعال الأزمات في دول الجوار. مصر، التي تستضيف ملايين النازحين ودمجهم في نسيج مجتمعها دون معسكرات لجوء، تتحمل عبئاً هائلاً على اقتصادها المنهك. هذا التدفق شكل ضغطاً عنيفاً على العقارات والمعيشة والخدمات المدعومة، في ظل غياب الدعم الدولي الكافي، مما يترك الدوله المصريه وحيدة تحمل فاتورة الاستقرار الإقليمي كاستنزاف صامت لمواردها. فمصر لم تعد تملك رفاهية الوقت، والمعركة الحقيقية لكل مواطن مصري اليوم ليست في انتظار ما ستسفر عنه الأحداث السياسية العالمية، بل في كيفية هزيمة هؤلاء الأعداء في الداخل، حتى يستقيم ظهر الوطن وينطلق نحو المكانة التي يستحقها.