د. نانيس حامد تكتب | الصمت أخطر من الضجيج
لم يعد العالم يعيش أزمة نقص في المعلومات، بل أزمة في القدرة على التمييز بينها. فكل دقيقة تحمل آلاف الأخبار، وملايين التعليقات، وسيلًا من الآراء التي تتزاحم على شاشات الهواتف قبل أن تجد طريقها إلى العقول. وفي خضم هذا الضجيج، أصبح الصمت ـ أحيانًا ـ أكثر قدرة على كشف الحقيقة من كثرة الكلام.لم تعد المعركة الأساسية حول من يمتلك المعلومة، بل حول من يستطيع توجيهها، أو إعادة صياغتها، أو تقديمها في التوقيت الذي يخدم هدفًا معينًا. وهكذا، تحولت المعلومة من وسيلة لفهم الواقع إلى أداة قد تُستخدم للتأثير في إدراكه.وليس من المبالغة القول إن عصرنا يشهد انتقالًا من “اقتصاد المعرفة” إلى “اقتصاد الانتباه”. فالقيمة لم تعد فيما يُقال فقط، بل في القدرة على جذب انتباه المتلقي، ولو كان ذلك على حساب الدقة أو التوازن. وكلما تسارعت دورة الأخبار، تقلصت المساحة المتاحة للتفكير، وأصبح الانفعال أسرع من التحليل.وفي هذا المشهد، يواجه الإعلام تحديًا وجوديًا. فهل يلاحق سرعة المنصات الرقمية مهما كان الثمن، أم يتمسك بوظيفته الأساسية في التحقق، والتفسير، ووضع الأحداث في سياقها؟ إن السباق على نشر الخبر أولًا قد يمنح سبقًا صحفيًا، لكنه لا يضمن بناء ثقة تدوم.ولا يقتصر الأمر على المؤسسات الإعلامية، بل يمتد إلى الأفراد. فكل مستخدم للهاتف الذكي أصبح، بدرجة ما، ناشرًا للمحتوى. ومع هذه القوة الجديدة، تبرز مسؤولية جديدة: أن نتريث قبل إعادة نشر معلومة، وأن نفرق بين الرأي والخبر، وبين التحليل والادعاء، وبين الحقيقة والانطباع.إن أخطر ما قد يصيب المجتمعات ليس اختلاف الآراء، بل تآكل الثقة في مصادر المعرفة. فعندما يصبح كل شيء محل شك، تتراجع قدرة المجتمع على اتخاذ قرارات واعية، ويصبح المجال مفتوحًا أمام الشائعات والتفسيرات المتعجلة.لذلك، ربما نحتاج اليوم إلى مهارة لا تقل أهمية عن القراءة والكتابة، وهي الوعي الإعلامي؛ القدرة على السؤال قبل التصديق، وعلى البحث قبل التبني، وعلى فهم السياق قبل إصدار الأحكام. فهذه المهارة لم تعد رفاهية ثقافية، بل ضرورة لحماية الفرد والمجتمع في عصر تتدفق فيه المعلومات بلا توقف.لقد منحنا العصر الرقمي أدوات هائلة للوصول إلى المعرفة، لكنه وضعنا أيضًا أمام اختبار أصعب: كيف نستخدم هذه الأدوات دون أن نفقد قدرتنا على التفكير النقدي؟ والإجابة عن هذا السؤال قد تكون أحد أهم التحديات التي ستحدد شكل مجتمعاتنا في السنوات القادمة.فالضجيج قد يلفت الانتباه، لكنه لا يصنع الحقيقة. أما الوعي، فهو وحده القادر على أن يمنح الكلمة قيمتها، والمعلومة معناها، والمستقبل اتجاهه.