مرقس مدحت فخري  يكتب | الجينوم المصري.. شفرة الفراعنة

0

لآلاف السنين، اعتاد العالم أن ينظر إلى مصر من خلال بوابة التاريخ والآثار، فككنا رموز “حجر رشيد” لنقرأ الماضي، واليوم نحن على أعتاب ثورة علمية مغايرة تماماً؛ حيث يعكف العقل المصري على فك رموز “الشفرة البيولوجية”

الخاص بنا.فمنذ انطلاق مشروع الجينوم المرجعي للمصريين، والدولة لا تستهدف مجرد مجاراة العلم الحديث، بل تسعى لامتلاك “السيادة الصحية”. نحن نتحدث عن أضخم مشروع علمي في تاريخ مصر الحديث، مشروع لا يبحث في بطون الأرض عن ثروات، بل يبحث في خلايا المصريين عن مستقبل خالي من الأمراض الوراثية والمستعصية.لفترة طويلة، كانت الأبحاث الطبية والعلاجات تُصمم بناءً على الجينوم الغربي (الأوروبي والأمريكي). لكن الطبيعة البشرية تخبرنا أن ما يصلح للمريض في الغرب قد لا يؤدي نفس النتيجة مع المريض المصري بسبب الاختلافات الجينية الدقيقة.من هنا نبعت عبقرية المشروع، والذي يهدف لرسم الخريطة الجينية فهو يعمل علي تحديد الصفات الوراثية للأمراض الأكثر انتشاراً في مصر (مثل أمراض القلب، الأورام، والسكري).و ايضا يهدف المشروع لفهم الأصول الجينية للأمراض البيولوجية للمصريين ودراسة جينات المومياوات القديمة لربط الماضي بالحاضر و من خلال ذلك يمكن التنبؤ بالأمراض قبل حدوثها للأجيال القادمة، والتدخل المبكر لمنعها.فالطب التقليدي يتعامل مع المرضى بمبدأ “المقاس الواحد يناسب الجميع”، فإذا أصيب عشرة أشخاص بنفس المرض، يحصلون على نفس الدواء ولكن مشروع الجينوم سينقل المنظومة الصحية المصرية إلى عصر “الطب الشخصي والخطط العلاجية المفصلة”.ففي المستقبل ، سيحصل المريض علي علاجاً تم تصميمه خصيصاً ليتوافق مع شفرته الجينية، مما يرفع نسب الشفاء إلى حدها الأقصى ويقلل الأعراض الجانبية إلى الصفر تقريباً.”هذا التحول ليس ترفاً علمياً، بل هو جدوى اقتصادية هائلة. فالوقاية من الأمراض المزمنة والوراثية أو علاجها بشكل صحيح من المرة الأولى سيوفر على ميزانية الدولة والمواطن مليارات الجنيهات التي تُنفق على أدوية غير فعالة أو عمليات جراحية متأخرة.إن مشروع الجينوم المصري هو إعلان صريح عن رغبة هذه الأمة في التوقف عن مقاعد المتفرجين في قطار التطور العلمي، والجلوس في مقعد القيادة. إنه استثمار طويل الأجل، قد لا يلمس المواطن البسيط نتائجه في الغد القريب كطريق جديد أو كوبري، ولكنه المشروع الذي سيضمن لأبنائه وأحفاده حياة صحية آمنة، تُقرأ فيها الأمراض وتُهزم.. قبل أن تولد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.