محمد حوام يكتب | عندما تغيب القدوة

0

في كل مرة نسمع فيها شكوى من تراجع الاحترام في الشارع أو مواقع التواصل الاجتماعي أو حتى داخل بعض البيوت والمؤسسات، ينشغل الجميع بالبحث عن النتيجة، بينما ينسى كثيرون البحث عن السبب. فالأخلاق والسلوكيات لا تظهر من فراغ، وإنما تُكتسب من البيئة المحيطة ومن النماذج التي يراها الإنسان يوميًا ويتأثر بها.

قبل سنوات طويلة، كان الطفل يجد أمامه أكثر من قدوة. يرى في والده نموذجًا للمسؤولية، وفي معلمه نموذجًا للعلم، وفي الشخصيات العامة نماذج للنجاح والاجتهاد. لم تكن هذه النماذج مثالية، لكنها كانت تقدم صورة واضحة لما يجب أن يكون عليه الإنسان في سلوكه وتعاملاته مع الآخرين.

أما اليوم، فقد تغير المشهد بشكل كبير. أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي المصدر الرئيسي الذي يتلقى منه كثير من الشباب أفكارهم وانطباعاتهم عن النجاح والشهرة والتأثير. ومع الأسف، لا تكون النماذج الأكثر حضورًا دائمًا هي الأكثر استحقاقًا. ففي أحيان كثيرة يتصدر المشهد من يجيد إثارة الجدل أكثر ممن يمتلك علمًا أو خبرة أو إنجازًا حقيقيًا.

ومن هنا تبدأ الأزمة. عندما يرى الشاب أن الشهرة يمكن أن تتحقق بالصوت المرتفع أكثر من الفكرة الجيدة، وبإثارة الجدل أكثر من العمل الجاد، فإنه يعيد ترتيب أولوياته دون أن يشعر. وعندما يتكرر هذا المشهد يومًا بعد يوم، يصبح الاحترام قيمة أقل حضورًا في الحياة العامة، بينما تزداد الفردية والرغبة في لفت الانتباه بأي وسيلة.

ولعل ما نشهده أحيانًا من عنف لفظي، أو تجاوز في الحوار، أو استهانة بآراء الآخرين، ليس سوى انعكاس لهذه الحالة. فالمجتمع الذي يفتقد القدوة الحقيقية يجد صعوبة في ترسيخ القيم التي تقوم عليها العلاقات الإنسانية السليمة.

لكن الصورة ليست قاتمة كما يعتقد البعض. فمصر ما زالت مليئة بالنماذج المضيئة في العلم والثقافة والرياضة والعمل العام. وما زال هناك آباء وأمهات ومعلمون وشخصيات ناجحة يقدمون أمثلة تستحق الاحترام والاقتداء. المشكلة ليست في غياب هذه النماذج، بل في أن الضجيج أحيانًا يحجبها عن الأنظار.

لذلك فإن استعادة قيمة الاحترام لا تبدأ بالعقوبات أو الشعارات، بل تبدأ بإعادة الاعتبار للقدوة الحقيقية. فعندما يرى الشباب نماذج ناجحة تحظى بالتقدير بسبب أخلاقها وإنجازاتها، سيدركون أن الاحترام ليس ضعفًا، وأن النجاح لا يتعارض مع الالتزام بالقيم.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يستحق أن نتوقف أمامه: إذا كنا نشتكي اليوم من تراجع الاحترام، فهل سألنا أنفسنا أولًا عن نوع القدوة التي نقدمها للأجيال الجديدة؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.