سامح هليل يكتب | الذكاء الاصطناعي وقيادة المؤسسات الحكومية

0

قبل عشرين عامًا، كان من الصعب أن نتخيل أن تطبيقًا على الهاتف يمكنه إدارة أموالنا، أو‌‌ 

تشخيص بعض الأمراض، أو ترجمة عشرات اللغات في ثوانٍ. لكن ما كان يبدو خيالًا أصبح‌‌ 

اليوم جزءًا من حياتنا اليومية. 

والآن يقف العالم أمام سؤال أكثر جرأة، وربما أكثر إثارة للجدل: 

هل يمكن أن يصبح الذكاء الاصطناعي هو المدير الحقيقي للمؤسسات الحكومية؟ 

قد يبدو السؤال صادمًا، لكن إذا نظرنا إلى سرعة التطور التكنولوجي، سنكتشف أن الاحتمال لم‌‌ 

يعد مستحيلًا. 

فالحكومة في جوهرها ليست مباني ضخمة أو مكاتب مزدحمة، بل منظومة لاتخاذ القرارات،‌‌ 

وإدارة الموارد، وتقديم الخدمات، وتحليل المعلومات. وهذه تحديدًا هي المجالات التي يتقدم فيها‌‌ 

الذكاء الاصطناعي بسرعة غير مسبوقة. 

تخيل وزارة كاملة تستطيع تحليل ملايين الوثائق في دقائق، وتكتشف أوجه الفساد قبل وقوعها،‌‌ 

وتتوقع الأزمات الاقتصادية أو الصحية قبل أن يشعر بها المواطن، وتعيد توزيع الموارد تلقائيًا‌‌ 

وفقًا للاحتياجات الفعلية لكل محافظة. 

في هذا السيناريو، قد تتحول الوزارة من مؤسسة تعتمد على آلاف الموظفين إلى مركز قيادة‌‌ 

صغير، يعتمد على أنظمة ذكية تعمل على مدار الساعة، بلا إجازات، وبلا إرهاق، وبقدرة على‌‌ 

معالجة بيانات تفوق قدرة البشر بمراحل. 

وربما لن يكون السؤال بعد ذلك: كم عدد الموظفين داخل الوزارة؟ بل: كم تبلغ كفاءة الخوارزمية‌‌ 

التي تديرها؟ 

لكن هل هذا يعني أن الوزير سيختفي؟  ليس بالضرورة. 

فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يخبرنا بما هو القرار الأكثر كفاءة من الناحية الرقمية، لكنه لا‌‌ 

يستطيع أن يحدد وحده ما هو القرار الأكثر عدلًا أو إنسانية أو توافقًا مع قيم المجتمع. 

قد يقترح النظام إغلاق مدرسة في قرية صغيرة بسبب انخفاض عدد الطلاب وارتفاع تكلفة‌‌ 

التشغيل، بينما يرفض المسؤول ذلك لأن المدرسة تمثل حقًا أساسيًا لأهالي المنطقة. 

وقد يرى أن تقليص الدعم سيحقق توازنًا ماليًا، بينما يدرك صانع القرار أن الحفاظ على‌‌ 

الاستقرار الاجتماعي أهم من تحقيق وفرٍ سريع في الموازنة. 

الأرقام وحدها لا تصنع السياسات وهنا تكمن حدود الذكاء الاصطناعي. 

ومع ذلك، فإننا قد نكون أمام ولادة شكل جديد من الحكومات. 

حكومات لا تعتمد على الملفات الورقية، ولا على التسلسل الإداري البطيء، ولا على انتظار‌‌ 

توقيع عشرات المسؤولين، بل على منصات رقمية تتخذ آلاف القرارات التشغيلية تلقائيًا، بينما‌‌ 

يركز الإنسان على القضايا الاستراتيجية والأخلاقية. 

وربما تختفي بعض الإدارات بالكامل. 

إصدار التراخيص، وتجديد المستندات، والرد على شكاوى المواطنين، ومتابعة تنفيذ‌‌ 

المشروعات، وتحليل الأداء، وإعداد التقارير… كلها مهام يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤديها‌‌ 

بسرعة ودقة تفوق الأداء التقليدي 

وقد يظهر مستقبلًا منصب جديد داخل الحكومات يحمل اسم “رئيس الذكاء الحكومي” أو‌‌ 

“المسؤول التنفيذي للذكاء الاصطناعي”، تكون مهمته الإشراف على الأنظمة الذكية التي تدير‌‌ 

قطاعات الدولة، تمامًا كما أصبح لكل مؤسسة اليوم مسؤول عن التحول الرقمي والأمن‌‌ 

السيبراني. 

لكن الطريق إلى هذا المستقبل ليس مفروشًا بالورود. 

فالاعتماد الواسع على الذكاء الاصطناعي يطرح أسئلة شديدة الحساسية. 

من يتحمل المسؤولية إذا أخطأت الخوارزمية؟ 

كيف نحمي بيانات ملايين المواطنين؟ 

من يضمن ألا تنحاز الأنظمة الذكية ضد فئة اجتماعية أو منطقة جغرافية بسبب بيانات غير‌‌ 

متوازنة؟ 

وهل يمكن أن تصبح الدول التي تمتلك أقوى أنظمة ذكاء اصطناعي أكثر نفوذًا من الدول التي‌‌ 

تمتلك أكبر الجيوش؟ 

هذه ليست أسئلة فلسفية، بل تحديات بدأت الحكومات حول العالم في التعامل معها بالفعل. 

وربما يكون التغيير الأكبر ليس في اختفاء الموظف الحكومي، بل في إعادة تعريف دوره. 

فالموظف لن يُقاس بعدد الملفات التي ينهيها، وإنما بقدرته على إدارة التكنولوجيا، وتحليل‌‌ 

نتائجها، واتخاذ القرار الصحيح في اللحظة المناسبة. 

إننا لا نعيش مجرد ثورة تكنولوجية، بل نعيش إعادة صياغة كاملة لفكرة الدولة الحديثة. 

فكما غيّرت الثورة الصناعية شكل الحكومات في القرن التاسع عشر، وغيّر الإنترنت طريقة‌‌ 

تقديم الخدمات في القرن الحادي والعشرين، يبدو أن الذكاء الاصطناعي سيعيد تعريف العلاقة‌‌ 

بين المواطن والدولة خلال العقود القادمة. 

وربما لن يأتي اليوم الذي يحكم فيه الذكاء الاصطناعي دولة بمفرده، لكن من المؤكد أن الدولة‌‌ 

التي ترفض الاستفادة منه ستجد نفسها متأخرة عن ركب المستقبل. 

ويبقى السؤال الذي يستحق أن تطرحه كل حكومة على نفسها منذ الآن: 

هل نستعد لقيادة الذكاء الاصطناعي… أم سنكتفى بمحاولة اللحاق به بعد فوات الاوان

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.