أحمد شاهين يكتب | خطورة معركة الوعي

0

حين تُستهدف العقول… تصبح معركة الوعي أخطر من أي معركة

قد تستطيع دولة أن تُعيد بناء جسرٍ هُدم، أو تُرمم مبنى انهار، أو تُعوض خسارةً اقتصادية بمرور الوقت، لكنها إذا خسرت وعي شعبها، فإنها تخسر الركيزة التي يقوم عليها كل بناء. فالعقول إذا أُصيبت بالتشويش، والحقائق إذا اختلطت بالأكاذيب، يصبح الطريق إلى المستقبل أكثر صعوبة، مهما امتلكت الدولة من إمكانات.

لقد تغيّرت طبيعة الصراعات في العالم بصورة غير مسبوقة. فلم يعد الخصم بحاجة إلى عبور الحدود أو استخدام القوة العسكرية حتى يُحدث أثرًا بالغًا، بل يكفي أن ينجح في زعزعة الثقة، وإرباك الوعي، وصناعة حالة من الشك الدائم داخل المجتمع. إنها حرب لا تُسمع فيها صفارات الإنذار، ولا تُرى فيها الدبابات، لكنها قد تكون الأكثر تأثيرًا والأطول عمرًا.

في الماضي، كانت المعارك تُحسم في ميادين القتال، أما اليوم، فكثير منها يُحسم على شاشة هاتف محمول. خبرٌ غير موثق، صورة خارج سياقها، مقطع فيديو مجتزأ، أو منشور يحمل نصف الحقيقة، قد يكون كافيًا لإشعال جدل واسع، أو نشر الإحباط، أو خلق انقسام لا يستند إلى واقع، بل إلى انطباعات صنعتها سرعة التداول أكثر مما صنعتها الحقائق.

ولعل الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود الشائعة، فالشائعات صاحبت المجتمعات منذ القدم، وإنما يكمن في سرعة انتشارها، وفي استعداد البعض لتصديقها وإعادة نشرها دون لحظة تأمل أو تحقق. وهنا يتحول الفرد، من حيث لا يدري، إلى حلقة في سلسلة تستهدف إرباك المجتمع، وهو يظن أنه ينقل معلومة أو يعبر عن رأي.

لكن الوعي لا يعني أن نُغلق باب النقاش، ولا أن نُصادر حق الاختلاف، فالمجتمعات الحية تُبنى بالحوار، وتزدهر بتنوع الأفكار. غير أن الفارق كبير بين الاختلاف الذي يبحث عن الحقيقة، والاختلاف الذي يبحث عن الفوضى. فالنقد المسؤول يُقوِّم المسار، أما التشكيك الدائم دون دليل فلا ينتج إلا مزيدًا من الإحباط وفقدان الثقة.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن يصبح أفراده أسرى لما يُعرض أمامهم، دون أن يمتلكوا القدرة على السؤال، أو التحقق، أو التفكير. فالوعي ليس أن تعرف كل شيء، بل أن تعرف كيف تبحث عن الحقيقة، وكيف تميز بين المعلومة والرأي، وبين الخبر والدعاية، وبين من يريد البناء ومن يسعى إلى الهدم.

ومن هنا، فإن مسؤولية بناء الوعي لا تقع على عاتق مؤسسة واحدة، بل هي مسؤولية تتقاسمها الأسرة التي تُربي، والمدرسة التي تُعلم، والجامعة التي تُناقش، والإعلام الذي يُنير، والمؤسسات الدينية والثقافية التي تُرسخ القيم، إلى جانب كل مواطن يدرك أن الكلمة أمانة، وأن الضغط على زر “مشاركة” قد يكون فعلًا مسؤولًا، وقد يكون خطأً تتجاوز آثاره حدود الشاشة.

ويظل الشباب في قلب هذه المعركة. فهم الأكثر استخدامًا للتكنولوجيا، والأسرع تفاعلًا مع الأحداث، والأقدر على صناعة المحتوى والتأثير في الرأي العام. وإذا امتلك الشباب أدوات التفكير النقدي، وأحسنوا استخدام المعرفة، فإنهم لا يصبحون فقط خط الدفاع الأول عن الوعي، بل يصبحون القوة المحركة لأي نهضة حقيقية.

ولأن بناء الوعي لا يتحقق بالشعارات، فإن الاستثمار في الإنسان يظل هو الاستثمار الأهم. فكل مدرسة تُخرج عقلًا مفكرًا، وكل مبادرة تُعزز ثقافة الحوار، وكل منصة تقدم محتوى مسؤولًا، هي في حقيقتها مساهمة مباشرة في حماية الأمن الفكري للمجتمع، وفي تعزيز قدرة الدولة على مواجهة تحديات الحاضر وصناعة المستقبل.

لقد أثبت التاريخ أن الدول التي حافظت على تماسكها في أوقات الأزمات لم تكن بالضرورة الأغنى أو الأقوى عسكريًا، وإنما كانت الأكثر وعيًا. فالوعي يمنح الشعوب قدرة استثنائية على التمييز بين الحقيقة والضجيج، وبين النقد الذي يُصلح، والخطاب الذي يُفرق، وبين الخلاف الطبيعي ومحاولات بث الفرقة واليأس.

وفي النهاية، تبقى معركة الوعي معركة لا تعرف هدنة. إنها مسؤولية تبدأ من ضمير كل فرد، ومن قراره اليومي بأن يتحقق قبل أن يصدق، وأن يفكر قبل أن يحكم، وأن يضع مصلحة وطنه فوق أي انفعال عابر. فالأوطان لا يحميها السلاح وحده، ولا تبنيها المشروعات وحدها، وإنما يحميها ويبنيها إنسانٌ واعٍ، يؤمن بأن الكلمة قد تهدم وطنًا، كما قد تكون حجر الأساس في نهضته.

إن الأمم العظيمة لا تُصنع فقط بما تمتلكه من موارد، بل بما تمتلكه من عقول تعرف كيف تُميز، وقلوب تؤمن بالوطن، وإرادة لا تسمح لأحد أن يسرق منها حقها في المستقبل. لذلك، ستظل معركة الوعي هي المعركة التي إذا انتصرنا فيها، هانت علينا كل المعارك الأخرى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.