أحمد فكري زلط يكتب | الأوكتاجون وتفكيك الجزر المنعزلة
تخضع المؤسسات في علم إدارة الأزمات والمخاطر لرقابة دورية لتقويم الأداء، ووضع خطط الطوارئ الاستباقية الكفيلة بضمان “استمرارية الأعمال”. بيد أن التساؤل الأكثر عمقاً الذي يواجه بيئات العمل المعاصرة هو: كيف يتأثر رأس المال البشري حينما تتراجع طاقة العطاء والابتكار لدى الكوادر تحت وطأة الضغوط المتراكمة؟ وكيف يمكن تحويل مؤشرات “الإنهاك الوظيفي” إلى إشارة تحذيرية لإعادة التقييم والبناء؟
إن تراجع الشغف والإنتاجية يعد في كثير من الأحيان انعكاساً موضوعياً لظروف تشغيلية مركبة؛ كالتشغيل تحت ضغط مستمر دون تقدير كافٍ، أو الانكفاء داخل أنظمة روتينية عقيمة، وصولاً إلى حدوث فجوة بين المهام الموكلة للكادر البشري وبين قيم الإنجاز والمسؤولية الوطنية.
معضلة “الجزر المنعزلة” وتأثير الهياكل الإدارية
يتمثل التحدي الأكبر في بيئات العمل الحديثة في تغييب ثقافة التكامل، وتنامي النزعات الفردية داخل الهياكل التنظيمية. وقد أدى هذا الخلل إلى نشوء ظاهرة “الجزر المنعزلة” (Isolated Islands)؛ حيث تنكفئ كل إدارة على ذاتها، وتتحول البيانات إلى نطاقات مكتومة بدلاً من كونها أصولاً استراتيجية مشتركة، مما يفرز بيئة مشحونة بـ “البيروقراطية الدفاعية” التي تُهدر فيها طاقات الشباب والكوادر في حماية المكتسبات الفرعية بدلاً من تطوير الإنتاجية الكلية.
ومن واقع التحليل الإداري، فإن مواجهة هذه الثقافة وتفكيك تلك الأسوار التنظيمية يتطلب قراراً حاسماً ورؤية واضحة تنطلق من “أعلى الهرم الإداري” للمؤسسات، عبر إعادة صياغة عقيدة العمل لتنتقل من الانعزال المريح إلى التكامل والترابط المُلزم.
الرؤية القومية الشاملة ونموذج “الأوكتاجون”
وعلى النطاق الوطني الواسع، قدمت الدولة المصرية نموذجاً عملياً في إعلاء قيم الترابط والتكامل بين شتى أجهزتها، وهو ما تجلى بوضوح في تدشين وافتتاح مقر القيادة الاستراتيجية الجديد (الأوكتاجون) بالعاصمة الإدارية الجديدة. هذا الصرح لا يمثل فحسب طفرة إنشائية وتكنولوجية، بل يعكس فلسفة سيادية تقوم في جوهرها على تفتيت “الجزر المعزولة”، والربط اللحظي بين قطاعات الدولة المختلفة لإدارة الأزمات بروح المنظومة الشاملة الموحدة.
وبما أن هذا هو التوجه الراسخ لرأس الدولة، فإنه يصبح لزاماً على كافة المسؤولين بمختلف الهيئات والمؤسسات اتباع النهج عينه. ولعل التحدي الحقيقي هنا يكمن في “حتمية التنفيذ وآلياته الصارمة” على الأرض؛ من خلال تفعيل تدابير تشغيلية حاسمة، واستحداث منظومات رقابية شفافة تقضي تماماً على الممارسات غير السليمة كالوساطة والمحسوبية واستغلال السلطات وتفصيل اللوائح لخدمة مصالح ضيقة، بما يضمن حوكمة الإجراءات وإعلاء مبدأ تكافؤ الفرص وتمكين الكفاءات الشبابية المؤهلة.
خاتمة
إن المجتمعات الحية والمؤسسات المرنة هي التي تملك دوماً الشجاعة لمراجعة أدائها، والاستماع بعناية لصوت الفجوات الداخلية لكي تتحسن وتتطور. والنقد البناء والمخلص الموجه للممارسات والإجراءات—لا للأشخاص أو الكيانات—هو السبيل الوحيد للرفعة والنمو المستدام.
إن الدولة المصرية، وهي تشهد طفرة تشغيلية وتنموية شاملة في مسيرتها نحو الجمهورية الجديدة، تستحق من كوادرها السياسية والإدارية إعلاء الأداء الراقي؛ فرأس المال البشري المؤهل والمنضبط هو أثمن الأصول الاستراتيجية التي نملكها لحماية مقدرات الوطن وصناعة مستقبله.