طارق الزملوط يكتب | من التطوع إلى صنع القرار

0

لم يعد العمل التطوعي في العصر الحديث مجرد نشاط لخدمة المجتمع، بل أصبح مدرسة حقيقية لإعداد القيادات الشابة، ومنصة لاكتشاف المواهب، وطريقً

ا مهمًا للانتقال بالشباب من مرحلة المشاركة المجتمعية إلى المساهمة في صنع القرار. فالمبادرات الشبابية لا تُقاس فقط بعدد الأنشطة التي تنفذها، وإنما بما تتركه من أثر حقيقي في المجتمع، وما تمنحه للشباب من خبرات ومهارات تؤهلهم ليكونوا شركاء فاعلين في مسيرة التنمية.

وتسهم المبادرات الشبابية في بناء شخصية النشء والشباب من خلال تنمية مهارات القيادة، والعمل الجماعي، والتواصل، والتفكير الإبداعي، وحل المشكلات، كما تمنحهم فرصة للتعبير عن أفكارهم وتحويلها إلى مشروعات تخدم المجتمع. ومن هنا تصبح المبادرة نقطة البداية لتكوين جيل يمتلك الوعي والمسؤولية والقدرة على المشاركة في صياغة مستقبل وطنه.

وقد أولت الدولة المصرية اهتمامًا كبيرًا بتمكين الشباب، انطلاقًا من إيمانها بأن بناء الإنسان هو الأساس لتحقيق التنمية المستدامة. لذلك دعمت العديد من البرامج والمشروعات التي تعزز ثقافة التطوع والمشاركة المجتمعية، ومن أبرزها برنامج “نتشارك” الذي تنفذه وزارة الشباب والرياضة بالتعاون مع منظمة اليونيسف، بهدف تمكين النشء والشباب من تصميم وتنفيذ مبادرات تستجيب لاحتياجات مجتمعاتهم، وتنمية مهارات التخطيط والقيادة والعمل الجماعي.

كما أسهمت وزارة الشباب والرياضة من خلال مراكز الشباب وبرلمان الشباب وبرلمان الطلائع في إعداد أجيال قادرة على الحوار والمشاركة وتحمل المسؤولية، بما يعزز مفهوم المواطنة الإيجابية ويجعل الشباب عنصرًا أساسيًا في عملية التنمية.

وامتد دور الدولة إلى دعم الشراكة مع مؤسسات المجتمع المدني، حيث يقدم التحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي نموذجًا للتكامل بين الجهات المختلفة لتنفيذ مبادرات ذات أثر مباشر على المواطنين. كما عززت مبادرة “حياة كريمة” مفهوم المشاركة المجتمعية من خلال إشراك الشباب والمتطوعين في جهود تحسين جودة الحياة داخل القرى المصرية.

وقدمت مؤسسات المجتمع المدني نماذج ناجحة في تمكين الشباب، ومن بينها جمعية الجورة في شمال سيناء، التي عملت على تدريب الشباب وتأهيلهم لتصميم وتنفيذ المبادرات المجتمعية، بما يؤكد أن الاستثمار في الشباب هو الاستثمار الأكثر استدامة.

وفي مجال تأهيل الشباب للمشاركة العامة، تمثل تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين نموذجًا وطنيًا في إعداد الكوادر، من خلال توفير مساحات للحوار والتدريب وربط الخبرة الميدانية بالعمل العام وصناعة السياسات، بما يعكس أهمية وجود جيل جديد يمتلك المعرفة والقدرة على المشاركة الفاعلة.

ولضمان استمرار تأثير المبادرات الشبابية، يجب العمل على بناء منظومة متكاملة لرعايتها، من خلال إطلاق مسابقات وطنية لاختيار أفضل المبادرات، وإنشاء حاضنات داخل المحافظات تقدم التدريب والدعم الفني، بالإضافة إلى إنشاء قاعدة بيانات وطنية للمبادرات الناجحة وربطها بمؤسسات الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني.

كما يجب التوسع في تدريب الشباب على إدارة المشروعات المجتمعية، وقياس الأثر، واستخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في ابتكار حلول للتحديات المحلية، حتى تتحول المبادرات من جهود فردية إلى نماذج تنموية قابلة للتوسع.

وفي النهاية، فإن المبادرات الشبابية لا تصنع متطوعين فقط، بل تصنع مواطنين يمتلكون الوعي، وقادة قادرين على تحمل المسؤولية، وشركاء حقيقيين في صناعة القرار. وعندما تصبح ثقافة المبادرة جزءًا من المجتمع، يصبح الشباب قوة أساسية في بناء الوطن وصناعة مستقبله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.