إيمان إسماعيل عبدالجواد تكتب | التمكين الاقتصادي للمرأة
في قلب التحولات الكبرى التي يشهدها المجتمع المصري المعاصر، يبرز ملف التمكين الاقتصادي للمرأة كأحد أهم القضايا الاستراتيجية التي تتقاطع مع مفاهيم التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية. إن تمكين المرأة اقتصادياً لا يقتصر فقط على تحسين أوضاعها المعيشية، بل يمثل رافعة حقيقية للاقتصاد الوطني بأسره، خاصة في ظل ما تمتلكه المرأة المصرية من طاقات وإمكانيات لم تُستثمر بالشكل الأمثل بعد.
لطالما ارتبطت المرأة المصرية بالعمل والإنتاج عبر التاريخ، لكن العصر الحديث فرض عليها تحديات جديدة. فمن ناحية، لا يزال المجتمع يحمل تصورات تقليدية حول دور المرأة، ومن ناحية أخرى، أصبحت الضرورة الاقتصادية تفرض على الأسر المصرية الاعتماد على دخل المرأة بشكل متزايد. هذه المفارقة تخلق واقعاً معقداً، حيث تجد المرأة نفسها مضطرة للعمل في ظل ظروف غير مواتية، وأجور متدنية، وغياب بيئة داعمة تمكنها من التوفيق بين مسؤولياتها الأسرية ومتطلبات سوق العمل.
على الرغم من الصعوبات، أثبتت المرأة المصرية قدرة استثنائية على خلق فرص عمل لنفسها من خلال المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر. لكن المشكلة الأكبر تكمن في أن معظم هذه المشاريع تظل في إطار الاقتصاد غير الرسمي، بعيداً عن الحماية القانونية والتأمينية والضريبية. هذه المشاريع تحتاج إلى احتضان حقيقي من خلال توفير التمويل الميسر، والتدريب على الإدارة المالية والتسويق الرقمي، وفتح قنوات تسويقية جديدة تمكن هؤلاء السيدات من الوصول إلى أسواق أوسع. ما يميز ريادة الأعمال النسائية في مصر هو ارتباطها الوثيق بالحرف التراثية والصناعات الغذائية والمنتجات اليدوية، وهي مجالات تحمل في طياتها هوية ثقافية أصيلة يمكن تحويلها إلى علامات تجارية منافسة عالمياً، إذا ما توفرت لها الرعاية المناسبة.
لا يمكن الحديث عن التمكين الاقتصادي للمرأة دون التطرق إلى المعوقات البنيوية التي تواجهها في سوق العمل المصري. الفجوة في الأجور بين الرجال والنساء لا تزال قائمة، وإن كانت بنسب متفاوتة حسب القطاع. كما أن ساعات العمل الطويلة وعدم مرونة بيئة العمل تجعل من الصعب على المرأة، خاصة الأمهات، الاستمرار في وظائفهن أو الترقية إلى مناصب قيادية. الأمر الأكثر خطورة هو ما يُعرف بـ “السقف الزجاجي”، ذلك الحاجز غير المرئي الذي يمنع النساء من الوصول إلى أعلى المناصب الإدارية، ليس بسبب نقص الكفاءة، بل بسبب تحيزات ثقافية ومؤسسية راسخة. هذا الواقع يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية لتفكيك هذه الهياكل الذكورية التي تعيق تقدم المرأة.
في السنوات الأخيرة، فتحت التكنولوجيا الرقمية آفاقاً جديدة أمام المرأة المصرية للانخراط في سوق العمل بطرق مبتكرة. العمل الحر عبر الإنترنت، والتجارة الإلكترونية، والتسويق الرقمي، كلها مجالات تتيح للمرأة العمل من المنزل وبساعات مرنة، مما يساعدها على التوفيق بين واجباتها الأسرية وطموحاتها المهنية. لكن هذه الفرص الرقمية تظل محدودة بفجوة المهارات الرقمية وعدم كفاية البنية التحتية للإنترنت في بعض المناطق، خاصة في الريف والصعيد. لذا فإن الاستثمار في تدريب النساء على المهارات الرقمية لم يعد ترفاً، بل ضرورة اقتصادية واجتماعية ملحة.
التمكين الاقتصادي الحقيقي للمرأة لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن تغييرات أوسع في السياسات العامة والثقافة المجتمعية. نحتاج إلى استراتيجية وطنية متكاملة تشمل إصلاح نظام الحماية الاجتماعية ليشمل العاملات في القطاع غير الرسمي، وتوفير خدمات رعاية الأطفال بأسعار معقولة وبجودة عالية، وتشجيع القطاع الخاص على تبني سياسات صديقة للمرأة، ومحو الأمية المالية والرقمية للنساء في المناطق الريفية، وإنشاء حاضنات أعمال متخصصة في المشاريع النسائية.
المرأة المصرية أثبتت عبر التاريخ أنها قادرة على الإبداع والتميز متى ما أتيحت لها الفرصة. التمكين الاقتصادي ليس مجرد إنصاف للمرأة، بل هو استثمار في مستقبل مصر نفسه. فكل امرأة مصرية تحصل على فرصة عمل لائقة، أو تطلق مشروعها الخاص، أو تترقى في منصب قيادي، إنما تساهم في بناء اقتصاد أقوى وأكثر تنوعاً ومرونة. التحدي الأكبر الآن هو تحويل هذا الاقتناع إلى أفعال ملموسة على أرض الواقع، تتجاوز الخطاب الإنشائي إلى تغييرات حقيقية في القوانين والسياسات والممارسات اليومية.