محمد فؤاد البري يكتب | مئة عام على محاكمة العميد
في 1926 اصدر الدكتور العميد كتابه الثوري ( في الشعر الجاهلي ) سنه بلغ فيها طه حسين السابعة
والثلاثين من عمره ، بعد نشر الكتاب ذهبت المظاهرات من طلبة الازهر إلى بيت سعد زغلول زعيم الأمة
تطالب براس طه حسين ؟!
ومن لا يعرف طه حسين هو من الرموز الثقافية في القرن العشرين :
شخصية متمردة ، تمرد على مناهج الأزهر ومشايخه ، بل تمرد على اعاقته إنه شخصية فذة تستحق
الدراسة . وما يثير الدهشة والاستغراب معاً أن جامعة السوربون في باريس اعترفت بطه حسين ومنحته
الدكتوراه والأزهر الشريف في القاهرة رفض ان يمنحه شهادة !
كان عام 1926 هو عام الضجة الكبرى في حياة طه حسين عندما أصدر كتابه ” في الشعر الجاهلي “أخطر
كتاب في تاريخ الأدب العربي ، ليس لأنه أخطأ وأصاب بل لأنه فتح أعمق جرح في الذاكرة العربية “العلاقة
مع التراث ” لأنه جعل العقل العربي يراجع نفسه ..فالسكوت على التناقضات بحجة “القداسة” ما هو إلا
شكلاً من أشكال الهروب الفكري والذي رفضه طه حسين معتمداً في كتابه على مبدأ الشك المنهجي لديكارت
..
قال فيه أشياء خطيرة ، منها :
” مرآة الحياة الجاهلية يجب ان تلتمس في القران لا في الشعر الجاهلي ”
” للتوراة ان تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل ، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا ولكن ورود هذين الإسمين في
التوراة والقرآن لا يكفي لاثبات وجودهم التاريخي ”
في الشعر الجاهلي وقع طه حسين في إشكالية كبرى فقد أراد أن يحرر العقل دون أن يراعي أن هذا العقل لا
يعمل في فراغ بل في سياق اجتماعي نفسي تشكلت فيه مفاهيم القداسة عبر قرون .
لقد خاض طه حسين مغامرته الكبرى ، متسلحاً بما تلقاه من مناهج النقد التاريخي في فرنسا متأثراً بأساتذته
من المستشرقين الذين لم يهابوا تفكيك النصوص الدينية والتاريخية في تراثهم .
كتاب طه حسين يعتبره البعض خيانة في الهوية وليس مجرد اختلاف في المنهجية ، لم يهاجموه خصومه
بصفته “ناقداً ” بل بوصفه خطراً على ” الثوابت” ومصدر فتنة فكرية تزعزع اليقين .
النقد الموجه لطه حسين في الشعر الجاهلي : أنه تعامل مع “النص المقدس” مثل تعامله مع النص التاريخي
وهي لغة لم تعجب المتلقي ، في شعب كان مازال الأزهر مصدر ثقافته بمنهجه المحافظ .
أحدث الكتاب حركة فكرية وثورة ثقافية ألفت عشرات الكتب لترد عليه وكتبت مئات المقالات والدراسات
النقدية وكان هناك صراع بين جريدة السياسة تدافع عن طه حسين والتي هي جريدة الأحزاب الدستوريين
مقابل الهجوم من جريدة الوفد عليه والتي كانت تسمي جريدة كوكب الشرق .
في النهاية تحول الكتاب لقضية رأي عام ووصل للنيابة . ولحسن الحظ أن القضية ذهبت لوكيل نيابة مثقف
استطاع أن يستوعب ما يقصده الكاتب وجاء الحكم كالتالي من الأرشيف:
حكم النيابة .. وحيث أنه مما تقدم يتضح أن غرض المؤلف لم يكن مجرد الطعن والتعدي على الدين بل أن
العبارات الماسة بالدين التي أوردها في بعض المواضع من كتابه انما قد اوردها في سبيل البحث العلمي مع
اعتقاده ان بحثه يقتضيها.
وحيث أنه من ذلك يكون القصد الجنائي غير متوفر
فلذلك «
تحفظ الأوراق ادارياً .. القاهرة في ۳۰ مارس سنة ١٩٢٧
محمد نور
رئيس نيابة مصر
ولأن معارك طه حسين كانت دائما حادة وعنيفة كالإعصار لا تقبل في قوله الحق لومة صديق او ترعى
قداسة أستاذ ، لذلك فردود الفعل كانت هي الأخرى تجئ بنفس الحدة تقريبا .
انعزل طه حسين بعد الهجوم عليه ، وأزهلته تلك الأحداث كما تروي زوجته سوزان واستثارت ضميره
العلمي وآلمته كثيرا وقرر أن يسافر بعد ان تركت الضغوط آثارها النفسي والجسدي عليه وصحب زوجته
الي فرنسا ، انعزل وزوجته في قرية صغيرة بشمال فرنسا وهناك كتب كتابه الأشهر “الأيام” في تسعة أيام
.. وكتب سيرته الذاتية حيا ليعرف الجميع من هو طه حسين أراد ان يكشف فيه طريقة المحارب الجديد
..رساله لجميع المنتقدين انه واجه صعوبات لم يواجها احد ورغم ذلك واجهتها وتفوقت فأنتم مقارنة بما
واجهته في حياتي لا شيء ..ويعدّ «الأيام» التي صدر جزؤها الأول عام 1927، أول سيرة ذاتية في تاريخ
الأدب العربي كله.