أحمد شاهين يكتب | أخطر ما يواجه الشباب

0

عندما نتحدث عن الشباب، عادةً ما تبدأ قائمة المشكلات من مكان واضح: البطالة.

ولا أحد يستطيع أن ينكر خطورتها.

فالعمل ليس مجرد مصدر دخل، وإنما هو إحساس بالقيمة والاستقلال والمسؤولية، وهو أحد أهم عناصر الاستقرار الاجتماعي.

لكن هل البطالة هي أخطر ما يواجه شبابنا اليوم؟

أعتقد أن هناك سؤالًا آخر يجب أن نطرحه:

ماذا لو كان الشاب لديه فرصة، لكنه لا يعرف كيف يختارها؟

ماذا لو كان لديه تعليم، لكنه لا يعرف كيف يستخدمه؟

ماذا لو كانت أمامه آلاف المعلومات، لكنه لا يعرف أيها يستحق أن يصدقه؟

هنا تظهر أزمة قد تكون أخطر من مجرد عدم وجود فرصة.

إنها أزمة البوصلة.

جيل يعرف كل شيء تقريبًا… ولا يعرف إلى أين يذهب.

الشاب اليوم يستطيع في دقائق أن يتعلم مهارة، يشاهد محاضرة، يبحث عن منحة، يتعرف على تجارب شباب من دول مختلفة، ويصل إلى معلومات لم يكن الوصول إليها متاحًا بسهولة منذ سنوات.

وهذه ميزة عظيمة.

لكن كثرة الخيارات قد تتحول أحيانًا إلى مشكلة.

لأنك عندما ترى عشرات الطرق أمامك، قد تقضي وقتًا طويلًا في محاولة اختيار الطريق المثالي، بدلًا من أن تبدأ السير في طريق مناسب.

ترى شخصًا سافر، فتشعر أنك متأخر.

وترى آخر بدأ مشروعًا، فتشعر أنك متأخر.

وترى ثالثًا حصل على منصب، ورابعًا حصل على منحة، وخامسًا أصبح مشهورًا.

وبدون أن تشعر، تبدأ في مقارنة بدايتك بنتائج الآخرين.

وهذه واحدة من أكثر المقارنات ظلمًا للإنسان.

لأنك ترى النتيجة، ولا ترى الرحلة.

السوشيال ميديا جعلت النجاح يبدو أسهل مما هو عليه.

أنت ترى صورة لشخص في مؤتمر دولي، ولا ترى السنوات التي قضاها في التعلم.

ترى شخصًا يعلن افتتاح مشروعه، ولا ترى الخسائر والمحاولات التي سبقته.

ترى شابًا يتحدث بثقة أمام جمهور، ولا تعرف كم مرة وقف أمام المرآة يتدرب قبل أن يصل إلى هذه المرحلة.

السوشيال ميديا تعرض لنا لحظات منتقاة من حياة الآخرين.

لكننا نعيش حياتنا بكل تفاصيلها.

ولهذا، فإن المقارنة المستمرة قد تجعل الإنسان يشعر بأنه فاشل، رغم أنه في الحقيقة يتقدم.

ربما ببطء.

ربما بطريقة مختلفة.

لكن يتقدم.

نحن بحاجة إلى صناعة الإنسان قبل صناعة السيرة الذاتية.

أحيانًا ننشغل جدًا بفكرة أن يحصل الشاب على شهادة أو دورة أو منصب، وننسى السؤال الأهم:

هل هذه الأشياء صنعت منه شخصًا أفضل؟

هل أصبح أكثر قدرة على التفكير؟

هل يستطيع حل مشكلة؟

هل يستطيع تحمل المسؤولية؟

هل يعرف كيف يتعامل مع الاختلاف؟

هل يستطيع العمل ضمن فريق؟

هل لديه قدرة على التعلم من الفشل؟

هذه الأسئلة أهم بكثير من عدد الشهادات المكتوبة في ملفه.

لأن سوق العمل والمجتمع والحياة عمومًا لا تحتاج فقط إلى شخص يعرف معلومات.

تحتاج إلى شخص يستطيع أن يستخدم ما يعرفه.

والشباب لا يحتاجون فقط إلى النصائح.

من السهل جدًا أن نقول للشباب:

“اجتهدوا.”

“طوروا أنفسكم.”

“تعلموا.”

“اصبروا.”

لكن الكلام وحده لا يكفي.

الشباب يحتاجون إلى فرص حقيقية.

يحتاجون إلى تدريب عملي.

يحتاجون إلى مساحة للتجربة والخطأ.

يحتاجون إلى مؤسسات تسمح لهم بالمشاركة.

ويحتاجون إلى أشخاص يؤمنون بهم، لا أشخاص يذكرونهم كل يوم بأنهم قليلو الخبرة.

فالخبرة لا تأتي قبل الفرصة.

الخبرة تأتي من خلال الفرصة.

وهنا تقع مسؤولية مشتركة على الدولة والمؤسسات والمجتمع والشباب أنفسهم.

الدولة تفتح المجال.

المؤسسات توفر التدريب والفرص.

المجتمع يشجع ولا يحبط.

والشاب نفسه عليه أن يستغل الفرصة عندما تأتي.

لا تجعل حياة الآخرين تحدد موعد نجاحك.

قد تبدأ في العشرين.

وقد تبدأ في الثلاثين.

وقد تغير مجالك بعد سنوات.

وقد تفشل في مشروع وتنجح في مشروع آخر.

وقد تكتشف أن الطريق الذي كنت تظنه حلمك لم يعد يناسبك.

وهذا ليس فشلًا.

الفشل الحقيقي أن تعيش عمرًا كاملًا وأنت تركض خلف حياة لم تخترها بنفسك.

لذلك، نحن لا نحتاج فقط إلى جيل يبحث عن وظيفة.

نحتاج إلى جيل يبحث عن دور.

عن قيمة.

عن تأثير.

عن شيء يستطيع أن يقوله في نهاية الطريق:

“أنا لم أكن مجرد شخص مر من هنا… أنا تركت شيئًا خلفي.”

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لشاب ليس أن يتأخر في الوصول.

بل أن يصل إلى المكان الخطأ، ثم يكتشف بعد سنوات أنه كان يركض في الاتجاه المعاكس.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.