أحمد حمدي عبد الفتاح يكتب | المحليات ومسيرة الإصلاح

0

لطالما ارتبط الحديث عن الإصلاح السياسي بمشهد الانتخابات البرلمانية، والأحزاب، والمجالس النيابية، بينما يغيب أحيانًا عن المشهد المستوى الأقرب إلى المواطن: المحليات.

فالمواطن لا يتعامل يوميًا مع المؤسسات السياسية الكبرى بقدر ما يتعامل مع الشارع، والوحدة المحلية، والحي، ومشكلات النظافة، والطرق، والإنارة، والمواصلات، والأسواق، والخدمات العامة. ومن هنا فإن إصلاح الحياة السياسية لا يمكن أن يكتمل دون إصلاح حقيقي يبدأ من المحليات.

المحليات.. المدرسة الأولى للممارسة السياسية

يمكن النظر إلى المجالس المحلية باعتبارها المدرسة الأولى للسياسة الشعبية، ففيها يتعلم المواطن معنى المشاركة، ويتعرف على آليات اتخاذ القرار، ويمارس حقه في اختيار من يمثله ومحاسبته.

السياسة هنا لا تعني الشعارات أو المنافسة على المناصب، وإنما تعني القدرة على الاستماع إلى الناس، وفهم مشكلاتهم، وتحويل مطالبهم إلى حلول وسياسات قابلة للتنفيذ.

وعندما ينجح عضو المجلس المحلي في التعامل مع مشكلة حقيقية في دائرته، فإنه يقدم نموذجًا عمليًا لمعنى العمل العام، ويؤكد أن السياسة يمكن أن تكون خدمة للناس قبل أن تكون طريقًا إلى السلطة.

من سياسة النخبة إلى سياسة الشارع

تحتاج الحياة السياسية إلى إعادة الاعتبار لما يمكن تسميته بـ “السياسة الشعبية”؛ أي السياسة التي تبدأ من احتياجات المواطن اليومية، وليس فقط من النقاشات السياسية الكبرى.

فالسياسة الشعبية الحقيقية تبدأ عندما يشعر المواطن أن صوته مسموع، وأن مشاركته لها قيمة، وأن من اختاره قادر على التواصل معه ومتابعة مطالبه.

وهنا تظهر أهمية المحليات، لأنها الأقرب إلى تفاصيل الحياة اليومية، والأكثر قدرة على اكتشاف المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات واسعة.

الإصلاح يبدأ من المشاركة

لا يمكن بناء حياة سياسية قوية من دون مواطن مشارك، ولا يمكن الوصول إلى هذه المشاركة بمجرد الدعوة إليها، وإنما من خلال خلق مساحات حقيقية للمشاركة والتعبير والمساءلة.

ومن المهم أن تكون الانتخابات المحلية فرصة لاختيار أصحاب الكفاءة والنزاهة والقدرة على التواصل، بعيدًا عن الاعتماد فقط على الشهرة أو العلاقات أو القدرة المالية.

كما أن الأحزاب والقوى السياسية أمام مسؤولية كبيرة في إعداد كوادر محلية قادرة على فهم الإدارة المحلية، والتخطيط، والرقابة، والتواصل المجتمعي، وليس مجرد خوض الانتخابات من أجل الحضور السياسي.

الشباب.. الرهان الأكبر

يمثل الشباب عنصرًا أساسيًا في أي مشروع لإصلاح الحياة السياسية. فالمحليات يمكن أن تكون المجال الذي يكتشف فيه جيل جديد من القيادات قدراته، ويتحول فيه العمل العام من فكرة نظرية إلى تجربة عملية.

الشاب الذي يبدأ من قريته أو حيه، ويتعلم كيف يطرح مشكلة، ويجمع المعلومات، ويتواصل مع المسؤولين، ويقترح الحلول، ويتابع التنفيذ، يمكن أن يصبح بعد سنوات قيادة سياسية أكثر خبرة وفهمًا للواقع.

ولهذا فإن الاستثمار في الكوادر المحلية الشابة ليس مجرد استثمار في الانتخابات، وإنما استثمار في مستقبل الدولة والحياة السياسية بأكملها.

الرقابة والمساءلة.. جوهر العمل المحلي

لا يكفي أن تكون المجالس المحلية صوتًا للمواطن، بل يجب أن تكون أيضًا جزءًا من منظومة الرقابة والمساءلة وفقًا للقانون.

فالمجلس المحلي القوي هو الذي يستطيع أن يناقش أداء الأجهزة التنفيذية، ويتابع مستوى الخدمات، ويطرح الأسئلة، ويكشف أوجه القصور، ويقترح الحلول، مع الحفاظ في الوقت نفسه على التعاون المؤسسي واحترام اختصاصات كل جهة.

فالهدف ليس الصدام من أجل الصدام، وإنما الوصول إلى إدارة محلية أكثر كفاءة واستجابة لاحتياجات المواطنين.

الإصلاح الحقيقي يبدأ من الشارع

إن الحديث عن الإصلاح السياسي يجب ألا يبقى حبيس المؤتمرات والصالونات السياسية، بل يجب أن يصل إلى الشارع والقرية والحي.

ومن هنا يمكن القول إن المحليات ليست مجرد مستوى إداري، وإنما مساحة أساسية لبناء الثقة بين المواطن والدولة، ومدخل حقيقي لتطوير الممارسة السياسية.

فإذا أردنا حياة سياسية أكثر حيوية، فعلينا أن نبدأ من حيث يعيش المواطن؛ من الشارع الذي يسكنه، والمدرسة التي يذهب إليها أبناؤه، والخدمة التي يحتاج إليها، والمشكلة التي يبحث لها عن حل.

المحليات ليست نهاية الطريق.. بل قد تكون بدايته.

ومن هنا تبدأ السياسة الشعبية، ومن السياسة الشعبية يبدأ الإصلاح.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.