ميادة إسماعيل تكتب | الثانوية العامة… ليست نهاية الطريق
انتهى موسم الثانوية العامة، وأُعلنت النتائج، وانقضت أشهرٌ طويلة من الاجتهاد والقلق والانتظار. فرح من فرح، وتألم من لم يحالفه التوفيق، لكن ما ينبغي أن يبقى في أذهاننا بعد انقضاء هذه المرحلة هو أن النتيجة، مهما بلغت أهميتها، ليست الحكم الأخير على مستقبل الإنسان.
ولنكن منصفين، فإن الاجتهاد في طلب العلم ليس أمرًا ثانويًا، بل هو قيمة عظيمة حثت عليها الشرائع، وأكدتها تجارب الأمم. وما من نجاحٍ حقيقي إلا وكان وراءه جهدٌ وصبرٌ ومثابرة. ومن ثم، فإن التفوق الدراسي يستحق التقدير، والطلاب الذين بذلوا أعمارهم في المذاكرة حتى بلغوا مراتب متقدمة يستحقون كل إشادة واحترام.
غير أن تقدير المجتهد لا يعني أن نجعل من الدرجة ميزانًا يدًا نقيس به قيمة الإنسان، ولا أن نُوهم أبناءنا بأن المستقبل قد أُغلق لأنهم لم يبلغوا مجموعًا معينًا. فكم من طالبٍ لم يحصد الدرجات التي كان يرجوها، ثم شق طريقه بالعلم والعمل حتى صار صاحب أثرٍ وإنجاز، وكم من متفوقٍ دراسيًا توقف عطاؤه عندما ظن أن النجاح قد انتهى عند شهادة.
إن المشكلة ليست في الثانوية العامة، ولا في السعي إلى التفوق، بل في تحويلها إلى معركة تُختزل فيها الحياة كلها. فالمذاكرة ضرورة، والاجتهاد واجب، وإتقان العمل فضيلة، لكن الحياة أوسع من امتحان، وأرحب من نتيجة، وأغنى من رقمٍ يُكتب في كشف الدرجات.
ولعل ما نحتاج إليه هو أن نغرس في نفوس أبنائنا معادلةً متوازنة؛ اجتهد كأن مستقبلك مرهون بعملك، وارضَ بقضاء الله إذا جاءت النتيجة على غير ما تمنيت، ثم واصل السعي ولا تتوقف. فهذه هي الفلسفة التي تصنع الإنسان القادر على النجاح في كل مراحل حياته، لا في مرحلة دراسية واحدة.
إن الاحتفاء بالمتفوقين أمرٌ محمود، لأنه يُكرِّم قيمة الاجتهاد، ويجعلهم قدوةً لغيرهم، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى تجاهلٍ لمن لم يحالفهم التوفيق، أو إلى إصدار أحكامٍ قاسية عليهم. فالمجتمعات الواعية تحتفي بالنجاح، وتفتح في الوقت نفسه أبواب الأمل لكل من تعثر، لأن غايتها ليست صناعة الأوائل فحسب، بل صناعة الإنسان.
وبعد أن هدأت ضوضاء النتائج، يبقى الدرس الأهم: اجتهد ما استطعت، فإن الاجتهاد شرف، واطلب التفوق، فإنه ثمرة العمل، ولكن لا تجعل رقمًا في شهادة يختزل قيمتك، ولا تسمح لنتيجةٍ واحدة أن تصادر إيمانك بقدرتك على صناعة مستقبلك. فالحياة لا تُكافئ أصحاب الأمنيات، وإنما تُكافئ الذين يواصلون السير، مهما كانت بداياتهم.