ياسر حجازي يكتب | من التطوع إلى التمكين
على مدار السنوات القليلة الماضية، شهدت الدولة المصرية طفرة غير مسبوقة في معدلات
انخراط الشباب في العمل العام. ولم يعد دور الشباب مقتصرًا على الجوانب الاحتفالية
أو التطوعية الموسمية، بل انتقل وبقوة نحو مسارات “التمكين” التي أرست
قواعدها القيادة السياسية. ومع ذلك، يظل التحدي الأكبر الذي يواجه الكيانات
الشبابية الناشئة هو: كيف ننتقل من مجرد مجموعات تطوعية إلى “مطابخ سياسية
وفنية” قادرة على رفد الدولة بالرؤى والحلول؟
مأزق
العمل العشوائي والحل المؤسسي
إن
العمل التطوعي في جوهره طاقة جبارة، لكنه يظل طاقة “مهدرة” إذا لم يتم
تأطيره داخل هيكل مؤسسي يتسم بالاستدامة. إن تحويل الكيان الشبابي إلى مؤسسة فاعلة
يتطلب التخلي عن “العاطفة التنظيمية” والاعتماد على لغة “الإدارة
الاحترافية”. وهذا لا يتأتى إلا من خلال بناء نظم داخلية تقيس الأداء بمؤشرات
حقيقية (KPIs)، حيث يتم تقييم العضو ليس بعدد ساعات حضوره،
بل بحجم القيمة المضافة التي يقدمها في لجنته النوعية.
اللجان
النوعية: نواة صناعة القرار
لكي
يتحول أي كيان شبابي إلى “مطبخ لصناعة القرار”، يجب أن تعكس لجانه
الداخلية هيكل وتخصصات مؤسسات الدولة. فعندما يمتلك الكيان لجنة اقتصادية قوية،
وأخرى متخصصة في التنمية العمرانية أو التحول الرقمي، فإنه يبني بذلك “ظلاً
فنيًا” للوزارات والمؤسسات الرسمية.
هذا
التخصص هو ما يحول المقترحات الشبابية من مجرد “أمنيات” إلى “أوراق
سياسات” قابلة للتنفيذ. فالباحث الشاب الذي يدرس آليات الاستدامة في المدن
الذكية، أو المهندس الذي يطرح حلولاً لتقليل الهدر في الموارد، هو في الحقيقة يقدم
“ذخيرة فنية” لمتخذ القرار، مما يجعل الكيان شريكًا أصيلاً في التنمية
لا مجرد مراقب لها.
استراتيجية
النخبة والتمكين المبني على الجدارة
إن
نجاح النماذج السياسية الرائدة، مثل تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، أثبت أن
“التمكين” ليس منحة، بل هو استحقاق يُبنى على الكفاءة والتنوع. لذا، يجب
على الكيانات الشبابية أن تتبنى استراتيجية “نخبوية الكفاءة”؛ أي
استقطاب الكوادر النوعية في مختلف المجالات (التكنوقراط) ودمجهم في سياق العمل
العام.
إن دمج
التخصص العلمي، مثل الهندسة والبحث الأكاديمي، مع الممارسة السياسية يخلق جيلاً من
“السياسيين التكنوقراط” القادرين على معالجة الأزمات بلغة الأرقام
والنتائج، بعيداً عن الشعارات الرنانة.
ختاماً،
إنني أؤمن يقيناً بأن جيلنا لا يمتلك ترف الانتظار؛ فنحن “نخبة العمل”
التي يجب أن تتقدم الصفوف بعلمها وعملها. إن مقعدنا على طاولة صناعة القرار لم يعد
حلماً، بل هو مسؤولية وطنية نحملها جميعاً لنبرهن أن شباب مصر هم عقلها المفكر
وساعدها الذي يبني