آية صابر رفعت تكتب | مصر ومؤشر ريادة الأعمال

0

     ماذا يعني تقدم مصر في مؤشر ريادة الأعمال؟

لا تخبرنا المؤشرات الدولية فقط بمكانة الدول بين بعضها البعض بل تمنحنا فرصة لقراءة ما يحدث داخل كل دولة و تحليل هذا المؤشر  ولهذا عندما أعلن مركز المعلومات ودعم اتخاذ

القرار تقدم مصر إلى المركز 35عالميا في مؤشر ريادة الأعمال لم يكن السؤال بالنسبة

لي كم مركزا تقدمت مصر بل السؤال الأهم كان ماذا يخبرنا هذا المؤشر عن واقع ريادة

الأعمال في مصر

لان كثيرون ينظرون إلى ريادة الأعمال باعتبارها مجموعة من الشركات

الناشئة أو المشروعات الصغيرة و في الحقيقة المفهوم أوسع من ذلك بكثير

ببساطة

ريادة الأعمال هي أن يكون عند شخص فكرة تحل مشكلة أو تلبي احتياج عند الناس  ويستطيع تحويل هذه الفكرة إلى مشروع ناجح يحقق

دخلًا ويوفر فرص عمل

مثال  بسيط

تخيل شاب لاحظ أن أهالي منطقته يجدون صعوبة في شراء الخضراوات الطازجة

بسبب بعد الأسواق  فأنشأ تطبيق  بسيط لتوصيل الخضراوات من المزارعين إلى المنازل

 في البداية كانت مجرد فكرة  لكنها تحولت إلى مشروع يحقق أرباح  ويوفر وظائف فيما بعد للمندوبين ويساعد

المزارعين على بيع منتجاتهم بسهولة

و هذا هو

جوهر ريادة الأعمال  يبدأ من فكرة تحل

مشكلة او احتياج حقيقي إلى مشروع يخلق قيمة للمجتمع والاقتصاد

و لذلك  فإن نجاح أي دولة في

ريادة الأعمال لا يقاس فقط بعدد الشركات الجديدة فحسب  بل بقدرتها على توفير بيئة تشجع أصحاب الأفكار

على البدء وتساعدهم على الاستمرار والنمو  حتى تتحول الأفكار المبتكرة إلى مشروعات ناجحة

تسهم في الاقتصاد وتوفر فرص عمل

ومن هنا أرى أن تقدم مصر في هذا المؤشر يعكس أن هناك عملا تراكميا بدأ

يؤتي ثماره سواء من خلال تطوير التشريعات أو التوسع في التحول الرقمي أو دعم

الشركات الناشئة أو توفير أدوات تمويل أكثر تنوعا و ايضا نشر ثقافة رياده الاعمال

و تدريب صاحب المشروع علي ادارته لان معظم الافكار قد تفشل لعدم قدرة صاحب الفكرة

علي ادارة المشروع و لذلك الشق التدريبي مهم جدا لاستدامه المشروع

كما أن احتفاظ مصر بالمركز الأول في شمال إفريقيا يشير إلى أن هناك

مسارا يجري العمل عليه بصورة مستمرة لكن

الأرقام لا تصبح ذات قيمة إلا عندما نقرأ ما وراءها ومن أكثر الأرقام التي

استوقفتني في التقرير أن ما يقرب 47  % من

غير الممارسين لريادة الأعمال لديهم رغبة في إنشاء مشروع خلال السنوات المقبلة

في رأيي هذا الرقم لا يتحدث عن الاقتصاد فقط بل يتحدث عن الإنسان و عن رصيد من رأس المال البشري يحتاج الي  تدريب و توجيه 

النسبة تعبر عن آلاف الشباب الذين يمتلكون الرغبة في العمل والإنتاج وصناعة

فرصة لأنفسهم

 وهنا

تظهر القضية الأهم هل يكفي أن يمتلك الشاب فكرة جيدة حتى ينجح الإجابة غالبًا لا

فمعظم الدراسات والتجارب تشير إلى أن نجاح المشروعات لا يعتمد على

التمويل وحده بل يعتمد أيضًا على المعرفة

كيف يدرس صاحب المشروع السوق و كيف يفهم احتياجات العملاء و كيف يدير

موارده المالية و كيف يبني

فريق عمل و وكيف

يتخذ قراراته في الوقت المناسب

ولهذا فإن بناء قدرات رواد الأعمال لا يقل أهمية عن توفير مصادر

التمويل فالمال يستطيع أن يبدأ مشروع و لكن الإدارة هي التي تمنحه فرصة الاستمرار

 ومن زاوية تخصصي في إدارة

الموارد البشرية أرى أن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان لأن كل شركة ناجحة كانت في يوم من الأيام مجرد فكرة وكل فكرة احتاجت

إلى شخص يمتلك المعرفة والمهارة والثقة ليحولها إلى واقع كما أعتقد أن المرحلة

المقبلة تحتاج إلى التركيز على جودة المشروعات أكثر من عددها فليس الهدف أن يزيد عدد الشركات الناشئة فقط

وإنما أن تزداد نسبة الشركات التي تستمر وتحقق نمو وتوفر فرص عمل

وتضيف قيمة للاقتصاد المصري

و توسيع منظومة ريادة الأعمال لتصل إلى جميع

المحافظات المصرية بشكل اكبر  فالابتكار لا

يرتبط بمدينة بعينها ولا يقتصر على العاصمة أو المراكز الكبرى ففي كل محافظة شباب

يمتلكون أفكار و لكن كثيرا منهم يحتاج فقط إلى من يوجهه أو يوفر له التدريب

والتمويل والبيئة المناسبة لتحويل فكرته إلى مشروع حقيقي

ومن القضايا التي تستحق اهتمام كبير ايضا من وجهه نظري هو ربط البحث

العلمي بريادة الأعمال فالجامعات المصرية تضم الالاف من الباحثين  وعشرات الآلاف من الرسائل العلمية والدراسات

التي تناولت تحديات واقعية في مجالات الزراعة والصناعة والصحة والتعليم والطاقة

وغيرها

 و لكن السؤال الذي ينبغي أن

نطرحه هو: كم دراسة منها تحولت إلى منتج أو شركة ناشئة أو مشروع يخدم المجتمع؟

و لذلك نشر ثقافة تحويل مخرجات الأبحاث إلى تطبيقات عملية يجب أن يبدأ

من داخل الجامعات نفسها  بحيث يصبح الباحث

لا يفكر فقط في إنجاز رسالة علمية فقط  بل

في الكيفية التي يمكن أن تتحول بها نتائج بحثه إلى حل لمشكلة حقيقية نعاني منها في

المجتمع  أو إلى مشروع يخلق قيمة اقتصادية

ويوفر فرص عمل

 للشباب و من هنا نساهم في تقليل معدل البطالة

ايضأ

ولدينا بالفعل نماذج مصرية تؤكد أن ذلك ممكن ومن بينها تجربة شركة

نواة العلمية بقيادة الدكتور عمر شكري التي قدمت نموذج ملهم من وجهه نظري

لكيفية تحويل المعرفة والبحث العلمي إلى مشروعات ذات أثر اقتصادي ومجتمعي   و مازلت مؤمنه ان هناك العديد من النماذج

الملهمه في هذا الملف تستحق ان نلقي عليها الضوء

لان بناء اقتصاد قائم على المعرفة لا يبدأ من استيراد الأفكار بل من

الاستثمار في عقول الباحثين والمبتكرين وعندما ننجح في تحويل المعرفة إلى منتجات

والأبحاث إلى شركات سنكون قد خطونا خطوة حقيقية نحو الانتقال من مجتمع يستهلك ما

ينتجه الآخرون إلى مجتمع ينتج المعرفة ويحولها إلى قيمة وفرص وتنمية مستدامة

ربما يكون السؤال الحقيقي ليس لماذا تقدمت مصر في هذا المؤشر بل كيف نستمر في هذا التقدم الي مستويات متقدمه و  نجعل كل فكرة جيدة تجد طريقها إلى مشروع ناجح وكل مشروع ناجح يتحول إلى قيمة مضافة للاقتصاد المصري

عندها لن يكون الحديث عن ترتيب جديد في تقرير دولي وإنما عن مجتمع

أصبح أكثر قدرة على إنتاج المعرفة وتحويلها إلى تنمية مستدامه

حفظ الله مصر وطننا الغالي وألهم أبناءها دائما الحكمة

والعمل من أجل مستقبل أفضل

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.