علي يسري علي يكتب | نظام إقليمي جديد

0

لم يعد الشرق الأوسط يعيش مجرد جولة جديدة من التوتر، بل دخل مرحلة تبدو فيها القواعد التي حكمت المنطقة خلال العقود الماضية أقل قدرة على ضبط الصراع. فالتصعيد الأمريكي الإيراني، مع المشاركة الإسرائيلية المباشرة، أعاد طرح أسئلة أساسية حول مستقبل الأمن والتحالفات ودور القوى الكبرى. وأرى أن الاتجاه الأبرز لا يتمثل في ولادة نظام إقليمي مستقر، بل في تراجع الهيمنة الأمريكية وصعود فوضى منظمة متعددة الأطراف.

كان النظام القديم يقوم إلى حد كبير على الحضور الأمريكي بوصفه الضامن لأمن حلفائه، وعلى ردع متبادل يسمح للقوى المتنافسة بتبادل الضربات أو استخدام الوكلاء من دون الانزلاق إلى حرب شاملة. لكن انتقال الصراع إلى مواجهة مباشرة واستهداف القدرات العسكرية والنووية الإيرانية أضعف هذا التوازن. كما أظهرت أزمة مضيق هرمز أن أمن الطاقة والملاحة لم يعد منفصلًا عن الحسابات السياسية والعسكرية، وأن أي تصعيد محلي يمكن أن يتحول سريعًا إلى أزمة دولية.

تظل إيران لاعبًا رئيسيًا، رغم الضغوط التي تعرضت لها. فقد راكمت خلال عقود قدرات صاروخية وشبكة واسعة من العلاقات والنفوذ الإقليمي. إلا أن المواجهة المباشرة كشفت أيضًا حدود هذا النفوذ وكلفته أمام التفوق الأمريكي والإسرائيلي. ومن المرجح أن تحاول طهران إعادة بناء نفوذها بوسائل أكثر حذرًا وأقل تكلفة، مع الحفاظ على قدرتها على التأثير في أمن الخليج والممرات البحرية.

في المقابل، تزداد مساحة الحركة أمام الدول العربية، خاصة السعودية والإمارات وقطر ومصر. فلم تعد هذه الدول تعتمد على شريك دولي واحد، بل تتجه إلى تنويع علاقاتها مع الولايات المتحدة والصين وروسيا. وهذا التحول لا يعني التخلي عن واشنطن، لكنه يعكس رغبة متزايدة في امتلاك بدائل وهوامش أوسع للمناورة. وتملك مصر، بحكم موقعها وصلاتها بالخليج والبحر الأحمر والبحر المتوسط وقناة السويس، فرصة للمشاركة في صياغة الترتيبات الإقليمية بدل الاكتفاء بإدارة الأزمات.

من وجهة نظري، ستتعرض الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط إلى تراجع تدريجي، حتى لو ظلت الولايات المتحدة القوة العسكرية الأبرز. فحلفاؤها أصبحوا أكثر استقلالًا، كما أن الصين وروسيا وسعتا حضورهما السياسي والاقتصادي والعسكري. لذلك لن تختفي واشنطن من المنطقة، لكنها لن تكون قادرة على التحكم منفردة في مساراتها كما فعلت سابقًا.

لهذا أرى أن السيناريو الأقرب هو اتجاه المنطقة نحو “فوضى منظمة”. لن تكون الفوضى عشوائية بالكامل، بل ستتحرك كل قوة وفق مصالحها، بينما تتشكل تفاهمات مؤقتة بين بعض الأطراف وتستمر الأزمات في ساحات أخرى. وقد نشهد عودة جزئية للتوازن التقليدي أو ظهور نظام متعدد المراكز، لكن غياب قواعد واضحة سيبقي المنطقة معرضة للتصعيد المتكرر.

في النهاية، لا يكفي أن ينتصر طرف عسكريًا كي يبني نظامًا إقليميًا مستقرًا. فالقوة قد تعيد توزيع النفوذ، لكنها لا تنتج وحدها تسويات سياسية قابلة للاستمرار. والسؤال الحقيقي هو: من يستطيع تحويل موازين القوة الجديدة إلى قواعد أمنية وسياسية واضحة؟ وحتى يحدث ذلك، سيظل الشرق الأوسط عالقًا بين تراجع الهيمنة الأمريكية وصعود قوى متعددة، داخل فوضى منظمة قد تصبح السمة الأبرز للمرحلة المقبلة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.