رباب العشري تكتب | عيد الفلاح.. تحية للمرأة التي أنبتت الأرض

0

في عيد الفلاح، نتحدث كثيرًا عن اليد التي تزرع، وعن الرجل الذي يحمل همّ الأرض، وعن الفلاح الذي يقاوم تقلبات الحياة والمناخ والأسعار.

لكن وسط كل هذا الحديث، هناك امرأة تقف في الحقل نفسه، وتتحمل التعب نفسه، وتشارك في الإنتاج نفسه، ومع ذلك كثيرًا ما يمر اسمها دون أن يُذكر.

إنها الفلاحة المصرية.

المرأة التي لم تكن يومًا مجرد «زوجة فلاح».

هي شريكة في الزراعة، وفي تربية الثروة الحيوانية والداجنة، وفي الصناعات الغذائية، وفي إدارة موارد الأسرة، وفي الحفاظ على الأرض، وفي تربية الأجيال.

ورغم ذلك، لا تزال مساهمتها الاقتصادية في الريف أقل ظهورًا من حجمها الحقيقي.

وهنا يجب أن نتوقف.

لأن المرأة التي تستيقظ قبل الجميع، وتعمل في الأرض، وتعود لتدير المنزل، وتربي أبناءها، وتشارك في تدبير اقتصاد الأسرة، لا يجوز أن يُنظر إليها باعتبارها «تساعد» زوجها.

هي تعمل.

وما تقدمه ليس مساعدة.

إنه عمل وإنتاج وقيمة اقتصادية حقيقية.

المشكلة أن كثيرًا من عمل النساء في الريف ما زال غير مرئي.

عندما تزرع، لا يُكتب اسمها دائمًا.

عندما تربي المواشي، لا يُنظر دائمًا إلى ذلك باعتباره نشاطًا اقتصاديًا.

عندما تصنع منتجات غذائية من موارد بسيطة داخل القرية، قد لا تجد الطريق إلى السوق.

وعندما تحتاج إلى تمويل مشروع، قد تواجه حواجز أكبر من مجرد نقص المال.

وهنا يصبح الحديث عن التمكين الاقتصادي للمرأة الريفية ضرورة، لا رفاهية.

فلا يكفي أن نقول للمرأة الريفية «أنتِ عظيمة».

نحن بحاجة إلى أن نمنحها أدوات حقيقية تجعلها أكثر قدرة على تحويل جهدها إلى دخل، ودخلها إلى استقلال، واستقلالها إلى قرار.

نحتاج إلى وصول أسهل إلى التمويل.

وإلى التدريب.

وإلى التكنولوجيا الزراعية.

وإلى الأسواق.

وإلى التسويق الرقمي.

وإلى المعرفة المالية.

وإلى حماية اجتماعية أفضل.

وإلى فرص حقيقية لتملك وإدارة المشروعات.

لأن المرأة التي تنتج ولا تحصل على عائد عادل من إنتاجها، ما زالت تواجه فجوة.

والمرأة التي تعمل ولكن لا تملك أدوات اتخاذ القرار الاقتصادي، لم تصل بعد إلى التمكين الكامل.

والمرأة التي تنتج غذاءً لأسرتها ومجتمعها، بينما تظل خارج دائرة الاقتصاد الرسمي، تستحق أن نعيد النظر في طريقة قياسنا للعمل نفسه.

الريف المصري لا يمكن أن يتقدم بنصف طاقته.

والزراعة المصرية لا يمكن أن تنظر إلى المرأة باعتبارها عنصرًا مساعدًا فقط.

المرأة الريفية ليست هامشًا في قصة الفلاح.

هي جزء من قلب الحكاية.

وفي عيد الفلاح، ربما يكون من الإنصاف أن نغير الصورة قليلًا.

بدلًا من أن نرى الفلاح رجلًا يحمل الفأس، دعونا نرى الأسرة الزراعية كاملة.

الرجل والمرأة.

الأب والأم.

الأرض ومن يعملون عليها.

فالزراعة ليست مجرد محصول يخرج من الأرض.

وراء كل محصول أسرة.

وراء كل موسم تعب.

وراء كل بيت ريفي امرأة تحمل مسؤوليات لا تظهر في الحسابات الاقتصادية بسهولة.

لهذا، فإن تكريم الفلاح الحقيقي يجب أن يشمل تكريم الفلاحة.

ليس بكلمات عابرة.

بل بسياسات تمنحها فرصة.

وبخدمات مالية تصل إليها.

وبتدريب يرفع إنتاجيتها.

وبأسواق تشتري إنتاجها بسعر عادل.

وبحماية من العنف والاستغلال.

وبحقها في أن تكون صاحبة مشروع، وصاحبة قرار، وصاحبة دخل.

فالمرأة الريفية لا تحتاج أن نقول لها إنها «نصف المجتمع».

هي بالفعل جزء من اقتصاد المجتمع.

وكل جنيه تستطيع أن تنتجه وتديره وتستثمره، هو إضافة إلى اقتصاد الأسرة والقرية والوطن.

وفي عيد الفلاح…

لا نريد أن نقول فقط:

«تحية للفلاح المصري».

بل نقول أيضًا:

تحية لكل فلاحة مصرية حملت مسؤولية الأرض والأسرة والحياة، ثم مضت دون أن تطلب تصفيقًا.

تحية لمن زرعت ولم يُكتب اسمها على المحصول.

ولمن أنتجت ولم يُحسب إنتاجها.

ولمن شاركت في بناء بيت واقتصاد وأسرة، بينما ظل اسمها في الظل.

آن الأوان أن نخرج المرأة الريفية من هامش الصورة إلى قلبها.

لأن الأرض التي تنبت الخير…

تستحق أن تنصف كل يد زرعت فيها.

وفي عيد الفلاح:

كل عام والفلاح المصري بخير.

وكل عام وكل فلاحة مصرية أكثر قدرة على الإنتاج، وأكثر وصولًا للتمويل، وأكثر امتلاكًا لقرارها الاقتصادي.

فهي لا تزرع الأرض فقط…

إنها تزرع مستقبل مصر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.