شنودة سعد يكتب | هل نملك أفكارنا أم أفكار غيرنا؟
في المقال السابق طرحت سؤالًا ربما يبدو بسيطًا لكنه يخفي وراءه قضية أكبر بكثير:هل أصبحت الخوارزميات حاكمًا لم ينتخبه أحد؟لكن إذا كانت الخوارزميات لا تجبرنا على التفكير بطريقة معينة فكيف تستطيع التأثير في أفكارنا؟هنا تبدأ المسألة الأكثر تعقيدًا.لأن الخوارزمية لا تحتاج إلى أن تخبرك بماذا تفكر…يكفي أن تؤثر في ما الذي ستفكر فيه أصلًا.وهذا فرق يبدو صغيرًا في الكلمات لكنه هائل في الواقع.
نحن لا نختار كل ما نراهتخيل أنك دخلت مكتبة ضخمة تحتوي على ملايين الكتب ثم وجدت أن شخصًا ما اختار لك كل يوم عشرة كتب فقط لتراها.أنت ما زلت حرًا.يمكنك أن تفتح أي كتاب من الكتب العشرة ويمكنك أن ترفضها جميعًا.لكن هل تستطيع أن تقول إنك رأيت المكتبة كلها؟بالطبع لا.وهكذا تعمل البيئة الرقمية بطريقة أكثر تعقيدًا.نحن نعتقد أننا ندخل إلى الإنترنت لنبحث عن المعلومات بينما أصبحت المعلومات في كثير من الأحيان تبحث عنا أولًا.ما شاهدته أمس، وما أعجبك، وما توقفت عنده، وما شاركته، وما تجاهلته… كلها إشارات تساعد أنظمة التوصية على توقع ما قد يجذب انتباهك لاحقًا.وبمرور الوقت لا يصبح السؤال فقط:ماذا أريد أن أرى؟بل يصبح:ماذا تعتقد المنصة أنني أريد أن أرى؟وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
الخوارزمية لا تصنع رأيك… لكنها قد تصنع البيئة التي ينمو فيهامن السهل أن نقول إن الخوارزميات تتحكم في عقول الناس.لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا من ذلك.الدراسات العلمية لا تعطينا صورة بهذه البساطة.ففي تجارب واسعة خلال انتخابات الولايات المتحدة عام 2020 أدى تغيير طريقة ترتيب المحتوى في Facebook وInstagram إلى تغييرات واضحة في نوعية ما يراه المستخدمون ومدة استخدامهم للمنصات لكن هذه التغييرات لم تؤدِ خلال فترة الدراسة إلى تغييرات كبيرة في الاستقطاب السياسي أو المعرفة السياسية. وهذه نتيجة مهمة جدًا.لأنها تقول لنا:الخوارزمية ليست عقلًا بديلًا للإنسان.لكن هذا لا يعني أنها بلا تأثير.ففي تجربة ميدانية نُشرت لاحقًا في مجلة Nature على منصة X أدى الانتقال إلى الخلاصة الخوارزمية إلى زيادة التفاعل وتحول بعض المواقف السياسية في اتجاه أكثر محافظة مع استمرار بعض آثار التعرض حتى بعد العودة إلى الخلاصة الزمنية. إذن الصورة ليست:الخوارزمية تتحكم فيك.وليست أيضًا:الخوارزمية لا تؤثر فيك.الحقيقة الأكثر دقة هي:الخوارزمية تشارك في تشكيل البيئة التي تتخذ داخلها قراراتك.وهذا أخطر وأعمق.
لأن الإنسان لا يفكر في فراغأفكارنا لا تولد فجأة.نحن نتأثر بما نقرأ وبمن نسمع وبما نراه يتكرر أمامنا وبالأشخاص الذين نتابعهم وبالموضوعات التي تتحول إلى حديث عام.ولهذا فإن الظهور نفسه أصبح قوة.الفكرة التي تظهر أمامك مرة قد تنساها.لكن الفكرة التي تظهر أمامك كل يوم ومن أشخاص مختلفين وبصور مختلفة وبصياغات مختلفة قد تبدأ في الشعور بأنها أكثر أهمية… وربما أكثر شيوعًا مما هي عليه بالفعل.وهنا تظهر واحدة من أخطر القوى في العصر الرقمي:قوة التكرار.فالإنسان قد لا يقتنع بفكرة لأنها صحيحة وإنما قد يشعر بأنها مألوفة لأنه رآها كثيرًا.ومن هنا يمكن أن يتحول:المألوف إلى طبيعي والطبيعي إلى مقبول والمقبول إلى رأي عام.
لكن من يختار ما يتكرر؟هنا نصل إلى السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده.من يقرر أن هذا المحتوى يستحق أن يظهر أمامك عشر مرات بينما محتوى آخر لا تراه إلا مرة واحدة؟ليس بالضرورة شخصًا يجلس في غرفة ويقرر ما يجب أن تفكر فيه.إنها منظومة كاملة من البيانات والنماذج الرياضية وسلوك المستخدمين وأهداف المنصة والمنافسة على جذب الانتباه.والهدف في كثير من الأحيان ليس أن تكون أكثر معرفة…بل أن تبقى أكثر انتباهًا.وهنا تتحول المعادلة.فإذا كان الغضب يجذب التفاعل يصبح الغضب ذا قيمة.وإذا كان الجدل يجذب التعليقات يصبح الجدل ذا قيمة.وإذا كان الخوف يجعل الإنسان يعود إلى الشاشة يصبح الخوف جزءًا من اقتصاد الانتباه.وقد أظهرت أبحاث كثيرة أن أنظمة التوصية يمكن أن تضيق نطاق ما يتعرض له المستخدم من أفكار وموضوعات لكن الصورة ليست واحدة على كل المنصات أو لكل المستخدمين فالأمر يتداخل فيه تصميم الخوارزمية مع سلوك الإنسان وشبكته الاجتماعية واختياراته الشخصية. وهذا تحديدًا ما يجعل القضية أكثر تعقيدًا.
نحن شركاء في صناعة الفقاعةقد يكون من السهل أن نلوم التكنولوجيا.لكن هل الخوارزمية وحدها هي المشكلة؟ربما لا.فالمستخدم نفسه يعطي الخوارزمية إشاراته كل يوم.نضغط على ما يعجبنا.نتوقف عند ما يثيرنا.نتفاعل مع ما يغضبنا.نتابع من يشبهنا.ثم نشعر بالدهشة عندما تبدأ المنصة في إعطائنا المزيد مما فعلناه.نحن أحيانًا لا نعيش داخل فقاعة صنعتها الخوارزمية وحدها.بل نشارك نحن في بنائها.ولهذا فإن أخطر شيء قد يحدث ليس أن تمنعك الخوارزمية من رؤية رأي مختلف.بل أن تجعلك لا ترغب أصلًا في رؤيته.
المشكلة ليست أن نرى أفكارًا مختلفة…المشكلة أن نفقد القدرة على تخيل وجودها.وهنا يظهر الفرق بين الإنسان الذي يمتلك رأيًا والإنسان الذي يمتلك قدرة على التفكير.الرأي قد يكون جاهزًا.أما التفكير فهو عملية.الرأي يقول:أنا أعرف.أما التفكير فيقول:ربما أكون مخطئًا.الرأي يبحث عن من يؤيده.أما التفكير فيبحث عن الحقيقة حتى عندما تكون الحقيقة مزعجة.وهذه ربما هي المهارة التي يحتاجها الإنسان أكثر من أي وقت مضى:أن يستطيع أن يخرج من البيئة التي صممت لتناسبه.أن يقرأ ما لا يوافقه.أن يسمع من يختلف معه.أن يبحث عن المصدر الأصلي.أن يسأل: من المستفيد؟وأن يتوقف لحظة قبل أن يضغط:مشاركة.
أخطر ما يمكن أن يحدثليس أن تصبح الخوارزميات أقوى.بل أن يصبح الإنسان أضعف في مقاومتها.لأن التكنولوجيا ستتطور.وأنظمة الذكاء الاصطناعي ستصبح أكثر قدرة على فهم اهتماماتنا وتوقع سلوكنا وتخصيص المحتوى لنا.والسؤال حينها لن يكون:هل تستطيع الخوارزمية أن تعرف ماذا نريد؟بل:هل تستطيع أن تجعلنا نريد ما تعرف أنها تستطيع أن تقدمه لنا؟هنا يصبح الخط الفاصل بين التوصية والتأثير أكثر دقة.وبين التخصيص والتوجيه أكثر غموضًا.وبين اختيارنا الحقيقي والاختيار الذي تمهّد لنا الطريق إليه مساحة تستحق أن نفكر فيها طويلًا.
فهل نملك أفكارنا فعلًا؟نعم…لكن امتلاك الأفكار اليوم لم يعد يعني فقط أن تكون قادرًا على التعبير عن رأيك.بل أن تعرف:من أين جاءت الفكرة؟لماذا ظهرت أمامك؟لماذا ظهرت الآن؟لماذا لم أرَ الرأي الآخر؟وهل كنت سأفكر بالطريقة نفسها لو وصلتني معلومات مختلفة؟هذه الأسئلة لا تجعلنا أعداء للتكنولوجيا.بل تجعلنا أكثر حرية داخلها.لأن الحرية الحقيقية ليست أن تختار من بين الخيارات التي وُضعت أمامك فقط…بل أن تسأل:من وضع هذه الخيارات أمامي؟
وفي النهاية…قد لا تكون المشكلة أن أحدًا يسرق أفكارنا.ربما المشكلة أكثر هدوءًا وخطورة:أننا نستهلك أفكارًا جاهزة ثم ننسى أنها لم تبدأ منا.وهنا نعود إلى السؤال الذي بدأنا به:هل نملك أفكارنا… أم نستهلك أفكار غيرنا؟ربما الإجابة ليست نعم أو لا.ربما السؤال الحقيقي هو:كم من أفكارنا بدأ داخلنا… وكم منها بدأ أمام شاشة؟
انتظروني في المقال القادم…اقتصاد الانتباه… عندما تصبح عيوننا سلعةفي المقال القادم سننتقل خطوة أخرى إلى الداخل:إذا كانت الأفكار تمر عبر الانتباه…فمن يملك انتباهك اليوم هل يملك جزءًا من قيمتك الاقتصادية أيضًا؟وهنا سنكتشف أن المسألة لم تعد فقط: من يؤثر في أفكارنا؟بل السؤال الأكثر خطورة:من يربح من انتباهنا