د.آية ياسين تكتب | من صناعة الوعي إلى صناعة المستقبل

0

‌في زمن تتسابق فيه المعلومات مع الشائعات، وتتحول فيه منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة مفتوحة ‌

‌لتشكيل العقول، لم يعد بناء وعي الشباب رفاهية سياسية، بل أصبح معركة حقيقية على مستقبل الدولة. ‌

‌أين تقف الأحزاب السياسية من هذه المعركة؟‍‍وهنا يبرز السؤال الأهم: ‌​

‌الحزب السياسي الذي يكتفي بالمؤتمرات والبيانات والمناسبات الموسمية، ولا يقترب من عقل الشباب ‌

‌واهتماماتهم وتحدياتهم، يفقد جزءًا أساسيًا من رسالته. فالشباب ليسوا مجرد كتلة انتخابية تُستدعى عند ‌

‌الاستحقاقات، وإنما هم القوة الأكثر قدرة على صناعة التغيير، والأقدر على حمل مشروع الدولة إلى ‌

‌المستقبل.‌​

‌؛ فالوعي السياسي لا يعني تلقين الشباب‍‍بناء الوعي قبل طلب التأييد‍‍إن الدور الحقيقي للأحزاب يبدأ من  ‌

‌شعارات أو دفعهم إلى تبني مواقف جاهزة، وإنما يعني منحهم القدرة على الفهم والتحليل والنقاش، ‌

‌وتعريفهم بتاريخ دولتهم، ومؤسساتها، وتحدياتها، وحقوقهم وواجباتهم، وكيفية المشاركة الإيجابية في الحياة ‌

‌العامة.‌​

‌وهنا تستطيع الأحزاب أن تتحول إلى مدارس حقيقية للممارسة السياسية، من خلال تنظيم الندوات وورش ‌

‌العمل، وإطلاق برامج تدريبية للشباب، وفتح مساحات للحوار، وتشجيعهم على طرح أفكارهم ومناقشة ‌

‌القضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تمس حياتهم اليومية.‌​

‌، لا مجرد حضور في الصفوف الخلفية.‌‌شركاء في صناعة القرار الحزبي‍‍والأهم من ذلك أن يكون الشباب  ‌

‌فالحزب الذي يمنح الشباب فرصة القيادة والتجربة والمسؤولية، هو حزب يستثمر في المستقبل، بينما ‌

‌الحزب الذي يخشى منحهم المساحة، يحكم على نفسه بالجمود.‌​

‌كما أن الأحزاب مطالبة اليوم بالدخول بقوة إلى الفضاء الرقمي؛ لأن المعركة على الوعي انتقلت إلى ‌

‌الهاتف المحمول. وإذا تركت الأحزاب هذه المساحة فارغة، فلن تظل فارغة طويلًا، بل ستملؤها مصادر ‌

‌قد تكون مجهولة أو مضللة أو تستهدف صناعة حالة من الإحباط وفقدان الثقة.‌​

‌عقل نقدي قادر على التمييز بين الحقيقة‍‍لذلك، فإن مواجهة الشائعات لا تكون فقط بالنفي، وإنما ببناء  ‌

‌. والشاب الواعي لا يحتاج إلى من يخبره دائمًا ماذا يصدق، بل يحتاج إلى أدوات تساعده على‍‍والزيف ‌

‌معرفة كيف يفكر وكيف يتحقق وكيف يحكم على المعلومة.‌​

‌الأحزاب كذلك مطالبة بأن تقترب من قضايا الشباب الحقيقية: فرص العمل، ريادة الأعمال، التعليم، ‌

‌التكنولوجيا، المشاركة المجتمعية، الثقافة، والعدالة في الفرص. فالشاب لن يقتنع بخطاب سياسي بعيد عن ‌

‌واقعه، ولن يشعر بأن الحزب يمثله إذا لم يجد داخله إجابات عن الأسئلة التي تشغله كل يوم.‌​

‌صناعة‍‍وفي النهاية، فإن قوة الأحزاب لا تقاس بعدد اللافتات أو حجم المؤتمرات، وإنما بقدرتها على  ‌

‌إنسان واعٍ، قادر على المشاركة، وتحمل المسؤولية، واحترام الاختلاف، والدفاع عن وطنه بالعقل ‌

‌والعمل قبل الشعارات.‌​

‌إن الاستثمار في وعي الشباب هو الاستثمار الأكثر ضمانًا في مستقبل الدولة. ومن هنا، فإن الحزب الذي ‌

‌يريد أن يكون حاضرًا في المستقبل عليه ألا ينتظر الشباب عند صناديق الاقتراع، بل أن يلتقي بهم اليوم ‌

‌في الجامعات، ومراكز الشباب، والقرى، والمدن، وعلى منصات التواصل، وفي كل مساحة يمكن أن ‌

‌تُبنى فيها فكرة أو تُولد فيها مبادرة.‌​

‌فالشباب ليسوا مستقبل الأحزاب فقط.. الشباب هم مستقبل الوطن، ومن لا يشارك في بناء وعيهم اليوم، ‌

‌قد يكتشف غدًا أن غيره هو من صنع أفكارهم وحدد اتجاههم.‌ 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.