هاجر محمد موسى تكتب | الاستدامة المالية

0

لاجدال بأن تمويل عجز الهيئات الاقتصادية عبر الموازنة العامة هو إعادة توزيع  للعبء المالي تتحمل تكلفتها النهائية الأجيال القادمة عبر التضخم وتراجع الخدمات الأساسية. حيث تتحول الخزانة العامة إلى شبكة أمان مفتوحة لتغطية خسائر هيئات، وتستمر هذه الهيئات في الخسارة ،مع الاستمرار على تمويلها بنفس الطريقة التي تنتج العجز ذاته

وفقا للإحصاءات  فأن حجم الضغط على الدولة   الذي تفرضه الهيئات الاقتصادية،  وخاصة البترولية  يعتبر لامتناهي. ففي الموازنة العامة للعام المالي الأخير،  هناك نحو 438.3 مليار جنيه كدعم وإعانات لهذه الهيئات، في رقم ضخم يمثل التزاماً سنوياً يتصاعد بوتيرة متسارعة. كذلك بلغ إجمالي ما يتاح من الموازنة العامة للهيئات الاقتصادية نحو 570.3 مليار جنيه خلال العام نفسه. هذه المبالغ التي تذهب لتغطية عجز هيئات، كان يمكن أن توجه لقطاعات الصحة أو التعليم أو البنية التحتية، لكنها تستهلك في دعم كيانات لم تنجح في تحقيق الاستدامة المالية.

الضغط الأكبر يأتي من هيئة البترول، التي شكلت وحدها عبئاً استثنائياً على الموازنة، إذ تراجع دعمها المباشر من 155.5 مليار جنيه إلى 75 ملياراً ثم إلى 15.8 مليار جنيه في موازنة العام الجاري، لكن هذا التراجع الحاد لا يعني تحسن أداء الهيئة، بل يعكس تحولاً في شكل التمويل نحو الاقتراض المضمون، مما ينقل العبء إلى صورة أخرى من صور الدين العام. لكن الرقم الأكثر إثارة للقلق هو حجم الضمانات الحكومية المتراكمة لصالح الهيئات الاقتصادية، والتي بلغت 5.29 تريليون جنيه، أي ما يعادل نحو ربع إجمالي الدين العام كله. وتستحوذ هيئة البترول وشركات الكهرباء وحدها على 65% من هذه الضمانات، بما يعادل 3.1 تريليون جنيه، وهو ما يعني أن تعثر أي من هذه الهيئات سيقع مباشرة على كاهل الخزانة العامة، بأضعاف ما تظهره الموازنة من دعم مباشر.

هذا التمويل بالاستدانة يمتد ليشمل الاستثمارات أيضاً، ففي موازنة العام الجاري، ارتفعت الاستثمارات المستهدفة للهيئات الاقتصادية إلى 743.1 مليار جنيه، بزيادة نسبتها 48.3% عن العام السابق. والمفارقة أن هذا التوسع يمول في غالبيته بالاقتراض، حيث تستهدف الهيئات الحصول على 185.6 مليار جنيه قروضاً محلية و273.2 ملياراً قروضاً خارجية، ليصل إجمالي الاقتراض المباشر إلى 459 مليار جنيه، ويرتفع إلى 816.4 مليار جنيه عند إضافة أدوات الدين الأخرى. إن تمويل استثمارات لا تحقق عوائد كافية لتغطية تكاليف تمويلها، يؤدي إلى تكدس الديون التي تتحمل الخزانة العامة ضمانها، مما يضاعف الأثر السلبي على المالية العامة ويعمق أزمة الدين.

رغم أن الحكومة أقرت بخطورة هذه الديون المضمونة، واعترفت بأنها من أهم مصادر المخاطر التي تتعرض لها المالية العامة، إلا أن بيانات الموازنة تشير إلى استمرار التوسع في الاستثمارات والاقتراض بنفس الآلية.لذلك يجب أن تتحرك الدولة نحو ه الاستثمار الحقيقي في الإصلاح، وهو استثمار يختلف جوهرياً عن تمويل العجز. فبدلاً من ضخ أموال لسد  كوارث الهيئات الخاسرة، يجب توجيه الاستثمار نحو إعادة هيكلة شاملة لهذه الكيانات. وقد حاولت  الحكومة فعلاً  منذ فترة  حيث أعلنت لجنة إصلاح الهيئات الاقتصادية عن تصفية وإلغاء 4 هيئات، ودمج 7 هيئات، وتحويل 9 من هيئات اقتصادية إلى هيئات عامة، مع الإبقاء على 39 هيئة مع إعادة هيكلتها. هذا المسار هو الاستثمار الحقيقي، لأن خفض عدد الهيئات ودمجها لا يوفر النفقات الإدارية فحسب، بل يخلق كيانات أكثر كفاءة وقادرة على التخطيط المالي السليم.

الاستثمار في الإصلاح يعني أيضاً تحويل دعم الاستهلاك إلى دعم للإنتاج، وتوجيه الإنفاق العام لتعزيز قدرات الهيئات الذاتية بدلاً من تغطية عجزها المتكرر. إن إعادة هيكلة هيئة البترول، مثلاً، قد تكون أكثر جدوى من مواصلة ضخ المليارات لسد عجزها، حيث يمكن توجيهها نحو تحسين الكفاءة التشغيلية وتنويع مصادر الطاقة. هذا النوع من الاستثمار الإصلاحي هو ما سيخفف العبء عن الموازنة على المدى الطويل، ويحرر موارد هائلة يمكن توجيهها للاستثمار في الإنسان والبنية التحتية الحقيقية، بدلاً من الإنفاق على إنقاذ هيئات من نتائج سوء إدارتها. الحل ليس في تمويل المزيد من العجز، بل في إصلاح الأسباب التى  تعيد تعريف دور الدولة وعلاقتها بهذه الكياناتحتى نحقق الإيرادات التى توقف الإرتفاعات المتوالية للأسعار و يتم توفير السلع الأساسية بالأسعار التى تقدر عليها دخول المواطنين، حتى  يرضى  المواطن عن خدمات الحكومة من الخدمات التعليمية والعناية الصحية والرعاية الإجتماعية،  من أجل تهيئة المناخ الذى يسمح بالنمو الإقتصادى، وإرجاع القطاع الخاص لإطار الإستثمار من جديد، وتعديل الميزان التجارى، وتوفير الإحتياطى النقدى من العملة الأجنبية للوفاء بحاجة الإستيراد بالإضافة إلى القدرة على سداد الديون وخدمة الأعباء ونحافظ على الاستدامة المالية للأجيال

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.