سامح هليل يكتب | مصر وصراع الذكاء الاصطناعي

0

مصر أمام معركة جديدة… والسلاح هذه المرة هو الذكاء الاصطناعي 

سلسلة: العالم بعد الذكاء الاصطناعي 

تخيل أن تستيقظ يومًا لتجد أن أكبر قوتين تكنولوجيتين في العالم تتنافسان على مشروع واحد‌‌ 

داخل مصر. 

هذه المرة لا نتحدث عن صفقة سلاح…ولا عن نفط…ولا حتى عن قناة السويس 

نتحدث عن الذكاء الاصطناعي. 

وبحسب تقرير لـ‌‌Bloomberg‌‌، تقدمت شركة ‌‌Huawei‌‌ الصينية بعرض للحكومة المصرية‌‌ 

لبناء بنية تحتية ومراكز بيانات للذكاء الاصطناعي، يتضمن ‌‌1,408‌‌ من معالجات ‌‌Ascend‌‌ 

950‌‌ للتدريب، و‌‌600‌‌ معالج إضافي للتشغيل، بإجمالي ‌‌2,008‌‌ معالجات، مع خطة لتنفيذ البنية‌‌ 

التحتية خلال ‌‌12‌‌ شهرًا. 

وفي المقابل، تحاول واشنطن إعداد عرض منافس بمشاركة عمالقة التكنولوجيا ‌‌NVIDIA‌‌ 

و‌‌AMD‌‌ و‌‌Microsoft. (Bloomberg Línea⁠‌‌) 

واللافت أن هذا التطور يأتي بالتزامن مع زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ لمصر، التي تبدأ‌‌ 

رسميًا اليوم، في إطار تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين القاهرة وبكين. (‌‌Presidency of‌‌ 

Egypt⁠‌‌) 

ولا توجد حتى الآن معلومات رسمية تربط الزيارة مباشرة بهذا العرض. 

لكن التوقيت وحده كافٍ لطرح سؤال كبير:مصر تختار أمريكا… أم الصين؟ 

وهنا تبدأ الحيرة. 

⸻ 

لو اخترنا أمريكا… 

سنكون أمام منظومة تكنولوجية تمتلك بعضًا من أقوى شركات العالم في الرقائق والحوسبة‌‌ 

والبرمجيات. 

NVIDIA‌‌ و‌‌AMD‌‌ في قلب سباق معالجات الذكاء الاصطناعي، و‌‌Microsoft‌‌ تمتلك واحدة‌‌ 

من أكبر منظومات الحوسبة السحابية والبرمجيات في العالم. 

والتعامل مع هذه المنظومة قد يمنح مصر وصولًا إلى تقنيات متقدمة وخبرات وشراكات مع‌‌ 

أكبر سوق تكنولوجي في العالم. 

لكن… هل هذا يعني أن الصين تصبح خارج الصورة؟ 

بالطبع لا. 

⸻ 

ولو اخترنا الصين؟ 

Huawei‌‌ لا تقدم مجرد معالجات. 

الصين لديها خبرة ضخمة في بناء البنية التحتية الرقمية والاتصالات ومراكز البيانات، ولديها‌‌ 

رغبة واضحة في توسيع حضور تقني خارج حدودها. 

وبالنسبة للصين، مصر ليست مجرد سوق يضم أكثر من مئة مليون نسمة. 

مصر بوابة. 

بوابة إلى أفريقيا وبوابة إلى الشرق الأوسط وموقع استراتيجي بين آسيا وأوروبا. 

ولهذا فإن نجاح ‌‌Huawei‌‌ في مشروع مصري بهذا الحجم لن يكون مجرد صفقة تجارية. 

سيكون أيضًا موطئ قدم مهمًا للتكنولوجيا الصينية في المنطقة. 

وهذا تحديدًا ما يجعل واشنطن تراقب المشهد باهتمام. (‌‌Bloomberg Línea⁠‌‌) 

⸻ 

لكن هل مصر مضطرة للاختيار؟ 

هنا أعتقد أن السؤال الحقيقي يبدأ. 

لماذا نفترض أن مصر يجب أن تختار طرفًا وتغلق الباب أمام الآخر؟ 

ماذا لو كانت قوة مصر الحقيقية في المنافسة نفسها؟ 

إذا كانت أمريكا تريد أن تثبت تفوقها التكنولوجي…والصين تريد أن تثبت قدرتها على بناء بديل‌‌ 

عالمي… 

فلماذا لا تستفيد مصر من الاثنين؟ 

ليس المطلوب أن تحصل مصر على “أمريكا أو الصين”. 

المطلوب أن تحصل على: أفضل تكنولوجيا + أفضل سعر + أفضل تمويل + نقل معرفة +‌‌ 

تدريب كوادر + ضمانات للأمن السيبراني + قدرة على التطوير مستقبلًا. 

وهنا تتحول المنافسة من مشكلة إلى ورقة تفاوضية. 

⸻ 

مصر ليست مجرد مشترٍ 

وهذه هي النقطة التي أعتقد أنها الأهم. 

لو تعاملنا مع المشروع باعتباره مجرد شراء آلاف المعالجات سنكون قد نظرنا إلى الصورة من‌‌ 

أصغر زاوية. 

المعالج مجرد جزء من منظومة أكبر. 

نحن نتحدث عن: مراكز بيانات + كهرباء + شبكات + ‌‌Cloud‌‌ + أمن سيبراني + برمجيات +‌‌ 

بيانات + كوادر بشرية + تطبيقات. 

أي أن السؤال ليس: من سيبيعنا الشرائح؟ 

بل: من سيساعدنا على بناء اقتصاد ذكاء اصطناعي متكامل؟ 

وهنا تصبح شروط التفاوض أهم من اسم الشركة. 

⸻ 

الفرصة المصرية الحقيقية 

مصر لديها فرصة لأن تتحول من دولة تستخدم الذكاء الاصطناعي إلى دولة تقدم خدمات الذكاء‌‌ 

الاصطناعي للمنطقة. 

تخيل مراكز بيانات موجودة في مصر تخدم شركات ومؤسسات في أفريقيا والشرق الأوسط. 

تخيل شركات ناشئة مصرية تستخدم هذه البنية بدلًا من الاعتماد الكامل على خدمات خارجية. 

تخيل كوادر مصرية يتم تدريبها على أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي. 

وتخيل أن تصبح مصر مركزًا إقليميًا للحوسبة والبيانات والخدمات الرقمية. 

هنا فقط تبدأ الصفقة الحقيقية. 

الصفقة ليست ‌‌2,008‌‌ معالج. 

الصفقة الحقيقية هي: ماذا ستبني مصر فوق هذه المعالجات؟ 

⸻ 

وهنا تظهر قوة الموقع المصري 

في المقالات السابقة تحدثنا عن الطاقة باعتبارها أحد مفاتيح مستقبل الذكاء الاصطناعي. 

وتحدثنا عن المال والابتكار المالي. 

وتحدثنا عن البنية الرقمية والجريمة والاقتصاد. 

كل هذه الخيوط تجتمع هنا. 

مركز بيانات يحتاج إلى كهرباء. 

ويحتاج إلى اتصالات. 

ويحتاج إلى استثمارات. 

ويحتاج إلى بنوك. 

ويحتاج إلى أمن. 

ويحتاج إلى مهارات. 

إذن مشروع الذكاء الاصطناعي يمكن ألا يكون مشروع تكنولوجيا فقط… 

بل مشروعًا اقتصاديًا متكاملًا. 

⸻ 

والأذكى من الاختيار… هو المنافسة 

إذا كانت أمريكا والصين تتنافسان على النفوذ التكنولوجي في مصر، فهذا يعني أن مصر‌‌ 

أصبحت ذات قيمة في هذه المعادلة. 

وهنا يجب أن نفكر بعقلية مختلفة: 

لا تجعل المنافسة تنقلنا من تبعية طرف إلى تبعية طرف آخر. 

بل اجعل المنافسة فرصة لبناء قدرة مصرية مستقلة قدر الإمكان. 

نريد التكنولوجيا…لكن نريد معها المعرفة. 

نريد الأجهزة…لكن نريد معها التدريب. 

نريد الاستثمار…لكن نريد معه قيمة مضافة داخل مصر. 

نريد الذكاء الاصطناعي…لكن نريد أن نمتلك جزءًا من منظومته، لا أن نكون مجرد مستهلك له. 

⸻ 

إذن… أمريكا أم الصين؟ 

لو سألتني السؤال في أول المقال، ربما سأقول: 

السؤال صعب. 

لكن بعد كل ما سبق، أصبحت الإجابة مختلفة: 

لماذا نختار بينهما الآن، إذا كان بإمكاننا أن نجعل كليهما يتنافس على كسب مصر؟ 

هذه ليست لعبة سياسية. 

إنها لعبة مصالح. 

ومصر ليست مطالبة بأن تكون طرفًا في الصراع الأمريكي الصيني. 

مصر مطالبة بأن تعرف أين توجد مصلحتها… 

ثم تتفاوض عليها بقوة. 

⸻ 

في النهاية… 

منذ بداية هذه السلسلة ونحن نكتشف أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد برنامج جديد. 

إنه يعيد رسم شكل الاقتصاد. 

ويغير البنوك. 

ويغير الوظائف. 

ويغير الجريمة. 

ويحتاج إلى الطاقة. 

والآن بدأ يدخل مباشرة في الجغرافيا السياسية. 

وأعتقد أن هذه هي النقلة الأخطر. 

لأن من يملك البنية التحتية للذكاء الاصطناعي قد يمتلك جزءًا من اقتصاد المستقبل. 

ومصر اليوم أمام فرصة نادرة:أمريكا تريد أن تحافظ على ريادتها والصين تريد أن توسع نفوذها‌‌ 

ومصر موجودة في المنتصف. 

وقد تكون هذه المرة…ميزة وليست مشكلة. 

فالمعادلة ليست: مصر تختار أمريكا أم الصين؟ 

بل: كيف تجعل مصر أمريكا والصين يتنافسان… بينما يكون الفائز الحقيقي هو مصر؟‌‌  

وهنا ربما تكون أعظم فرصة في القصة كلها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.