محمود المناعي = وظائف ستموت قبل أن تتخرج!
يختار الطالب تخصصه وهو يحلم بمستقبلٍ ينتظره: سنوات من الدراسة، ثم شهادة، ثم وظيفة تليق بتعبه. لكن الحلم الذي يراوده لا يعلم أن سوق العمل قد لا ينتظره. فبينما هو يدرس ويحفظ ويجتهد، هناك ثورة صامتة تُعيد تشكيل خريطة الوظائف في العالم، وتُلغي مهامّ كان يؤديها البشر بالأمس القريب. والأسوأ: أن هذه الوظائف التي تختفي هي غالباً الوظائف المبتدئة، تلك التي يبدأ منها الشباب حياتهم المهنية.
تشير تقارير عالمية إلى أن ملايين الوظائف معرّضة للأتمتة خلال السنوات القادمة، وأن نسبة كبيرة من العمال الشباب يعملون اليوم في مهن يهددها الذكاء الاصطناعي بشكل مباشر. والغريب أن الخطر لا يقتصر على المهن اليدوية أو الروتينية، بل يمتد إلى وظائف كانت تُعتبر “آمنة” قبل سنوات قليلة فقط.
فما هي أبرز الوظائف التي قد تختفي قبل أن يتخرّج طالب اليوم؟
أولاً: وظائف خدمة العملاء. الرد على الاستفسارات، وحل المشكلات البسيطة، وتقديم المعلومات — كلها مهام أصبحت روبوتات المحادثة تؤديها بكفاءة ودون توقف. الشركات الكبرى بدأت تستبدل مراكز الاتصال بمساعدين رقميين يعملون على مدار الساعة.
ثانياً: الوظائف المكتبية الروتينية. إدخال البيانات، وفرز المستندات، وإعداد التقارير البسيطة، وإدارة المواعيد — هذه المهام التي كانت تشغل ملايين الموظفين، أصبحت برامج الذكاء الاصطناعي تنجزها في ثوانٍ وبلا أخطاء.
ثالثاً: المحاسبة ومراجعة الحسابات. المفاجأة أن هذه المهنة التي كانت تُعدّ من أكثر المهن أماناً واستقراراً، صارت مهددة. البرامج المحاسبية الذكية تُصنّف النفقات، وتكتشف الأخطاء، وتُعدّ الميزانيات، وتقدّم تحليلات دقيقة، دون حاجة إلى فريق كامل.
رابعاً: الترجمة التقليدية. لم يعد العالم بحاجة إلى مترجم بشري للنصوص العامة. أدوات الترجمة الآلية تنجز اليوم ما كان يستغرق ساعات في لحظات، وإن بقيت الترجمة الأدبية والدقيقة حاجةً إنسانية.
خامساً: كتابة المحتوى السطحي. المقالات الإخبارية القصيرة، والأوصاف التجارية، والمحتوى الترويجي النمطي — كلها مجالات أصبح الذكاء الاصطناعي يكتبها بسرعة مذهلة. والنتيجة أن كثيراً من الكتّاب الشباب يجدون أنفسهم في منافسة غير عادلة مع آلة لا تتعب ولا تطلب راتباً.
سادساً: الوظائف المصرفية الأمامية. شبابيك البنوك، وتحويل الأموال، وفتح الحسابات — كلها خدمات انتقلت إلى التطبيقات. الفروع التقليدية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى، ومعها تختفي وظائف كان يعمل بها جيل كامل.
لكن الخطر الحقيقي ليس في اختفاء وظائف بعينها، بل في اختفاء الدرج الأول من السلم المهني. فالشاب لم يعد يستطيع أن يبدأ من وظيفة بسيطة، ويتعلم فيها، ويكتسب الخبرة، ثم يترقى. هذه المرحلة الأساسية في بناء أي مسيرة مهنية — التي كان يمر بها الطبيب والمهندس والمحاسب والصحفي — أصبحت مهددة بالانقراض. وحين يختفي هذا الدرج، لا يفقد الشباب وظيفة فحسب، بل يفقد المدرسة الحقيقية التي يتعلم فيها كيف يعمل.
لكن الصورة ليست قاتمة بالكامل. فالتقنية تُلغي وظائف، لكنها تخلق أخرى لم تكن موجودة: مهندسو الذكاء الاصطناعي، وأخلاقياتة ومحللو بياناته، ومصممو تجارب المستخدم، وخبراء الأمن السيبراني، ومدربو النماذج اللغوية. هذه الوظائف لا تحتاج شهادة تقليدية بقدر ما تحتاج مرونة وتعلّماً مستمراً.
الرسالة واضحة: لا تسأل “ما التخصص الذي سأدرسه؟” بل اسأل “ما المهارة التي سأمتلكها مهما تغيّر العالم؟”. فالشهادة ورقة، لكن القدرة على التعلّم وإعادة التعلّم هي التي ستبقى. من يتمسك بوظيفة بعينها قد يخسرها، ومن يتمسك بقدرته على التطور سيجد مكانه دائماً — حتى في عالم تتغيّر فيه كل القواعد.
الوظائف ستموت، لكن من يملك المهارة… سيبقى.