ياسر حجازي يكتب | المثقف والثقافة
من المفارقات اللافتة في مشهدنا المعاصر أن مساحات النشر لم تكن يوماً أكثر اتساعاً مما هي عليه الآن، وأن الوصول إلى المعلومة لم يكن أيسر تاريخياً، ومع ذلك تبدو المسافة بين النخبة الفكرية ونبض الشارع أوسع من أي وقت مضى. لا تتوقف أزمة الثقافة اليوم عند حدود شح الموارد أو تراجع مبيعات الكتب، بل تمتد إلى أزمة هوية وظيفية: أين يقف المثقف من أسئلة مجتمعه الملحة؟ ولماذا فقد خطابه القدرة على تشكيل الوعي العام وقيادة الحراك الإيجابي؟
اغتراب في لغة الخطاب
لقد حوصر جزء كبير من الحراك الثقافي في فخ “النخبوية المغلقة”، حيث بات المثقف يكتب ليقرأه أقرانه، ويحاضر في دوائر مغلقة تعيد إنتاج مصطلحات مجردة لا تلامس هموم المواطن اليومية. هذا التموضع في “برج عاجي” خلق حالة من القطيعة اللغوية والنفسية بين النخبة والشارع، وجعل الثقافة تبدو في نظر قطاعات واسعة ترفاً فكرياً أو أرشيفاً للماضي، لا أداة يومية تسهم في بناء الشخصية وتحسين جودة الحياة ومواجهة التحديات المعيشية والتنموية.
منافسة الخوارزميات وغياب الفاعلية
تزامن هذا الانكفاء مع تحول رقمي جارف فرض قواعد جديدة للاشتباك؛ إذ حلت ثقافة “الكبسولة السريعة” والمحتوى الخوارزمي محل التأمل والتحليل المعمق. وأمام هذا الواقع الجديد، اكتفى كثير من المثقفين بدور الراصد السلبي أو الناقد المتبرم من “ضحالة العصر”، مفرطين في أدوات التأثير الحديثة لصالح صناع محتوى يجيدون لغة الأجيال الجديدة وإن افتقر معظمهم للعمق والهدف التنموي. لم تتغير شهية المجتمع للمعرفة، بل تغيرت وسائط التلقي، ومن يتخلف عن تطوير وسيلته يفقد بالتبعية جمهوره.
استعادة الدور: نحو سياسات ثقافية فاعلة
إن استرداد البوصلة الثقافية ليس ترفاً، بل ضرورة استراتيجية لحماية الأمن الفكري ودفع عجلة التنمية الشاملة، وهو ما يقتضي الانتقال من منطق “الشكوى” إلى أفق “الفعل المؤسسي والتنفيذي” عبر مسارات محددة:
- العدالة الثقافية والنزول للميدان: الخروج بالمنتج الثقافي من المركزية الجغرافية في العواصم، وإعادة إحياء قصور الثقافة ومراكز الشباب بالمحافظات كمنصات حوار وتفاعل حقيقي، لا كقاعات بيروقراطية شاغرة.
- عصرنة أدوات التأثير: بناء شراكات جادة بين المؤسسات الثقافية والمنصات الرقمية؛ لصياغة محتوى ذكي وجذاب يقدم الأفكار الجادة بلغة بصرية تفاعلية تفهمها الأجيال الشابة وتستجيب لها.
- الاشتباك مع قضايا التنمية: ألا يظل دور المثقف حبيس التنظير الجمالي أو التاريخي، بل يمتد لصياغة مبادرات تتصدى لقضايا الهوية، وقبول التنوع، ومقاومة الشائعات، ودعم الإنتاجية المجتمعية.
ختاما
لم تكن الثقافة يوماً رصيداً محفوظاً على أرفف المكتبات، بل هي في جوهرها ممارسة حية تعكس شجاعة التفاعل مع الواقع. إن إعادة ضبط البوصلة تبدأ حين يدرك المثقف أن قيمته الحقيقية لا تُقاس بمدى ترفعه عن قضايا محيطه، بل بمدى قدرته على ترجمة الأفكار العميقة إلى وعي مجتمعي ملهم يصنع الفارق.