محمد سامح حسونة يكتب | أكتوبر.. ذكرى لاتُنسى

0

لم تكن حرب أكتوبر 1973 مجرد معركة عسكرية بين مصر وإسرائيل، بل كانت نقطة تحول تاريخية أعادت صياغة موازين القوة في المنطقة، وأثبتت أن الحروب لا تُحسم بالتفوق في السلاح وحده، وإنما بالقدرة على التخطيط، وحسن استغلال نقاط الضعف، وتحويل الإرادة السياسية إلى استراتيجية عسكرية واضحة.

بعد هزيمة يونيو 1967، دخلت مصر مرحلة شديدة التعقيد؛ فقد احتلت إسرائيل شبه جزيرة سيناء، وأصبح استرداد الأرض يمثل تحديًا عسكريًا وسياسيًا ونفسيًا. ولم يكن التعامل مع هذا الواقع ممكنًا بالاندفاع أو رد الفعل، لذلك اتجهت مصر إلى إعادة بناء قواتها المسلحة وتطوير قدراتها، وخاضت حرب الاستنزاف التي ساهمت في اكتساب الخبرة القتالية واختبار قدرات العدو وأساليبه.

وفي السادس من أكتوبر عام 1973، الموافق العاشر من رمضان، بدأت العملية العسكرية المصرية في توقيت حمل قدرًا كبيرًا من المفاجأة. عبرت القوات المصرية قناة السويس في هجوم واسع، وتمكنت من إقامة رؤوس جسور على الضفة الشرقية. وكان عبور القناة تحديًا بالغ الصعوبة، خصوصًا في ظل التحصينات الإسرائيلية المعروفة باسم خط بارليف، والذي اعتمد على مواقع دفاعية وتحصينات قوية وساتر ترابي مرتفع.

وقد تعاملت القوات المصرية مع هذه العقبات بأسلوب اتسم بالابتكار والتخطيط. ومن أبرز مظاهر ذلك استخدام خراطيم المياه لفتح ثغرات في الساتر الترابي بدلًا من الاعتماد على وسائل تقليدية أكثر بطئًا وتكلفة. وهنا يظهر أحد أهم دروس الحرب: التفوق لا يعني امتلاك الوسائل الأكثر تعقيدًا، بل القدرة على استخدام الوسيلة المناسبة في الوقت المناسب.

وكان عنصر المفاجأة من أهم عوامل نجاح الهجوم في بدايته. فقد جاءت العملية في توقيت وظروف أربكت حسابات القيادة الإسرائيلية، بالتزامن مع الهجوم السوري على جبهة الجولان. كما ساهم اختيار يوم السادس من أكتوبر، الذي وافق يوم الغفران في إسرائيل، في تحقيق عنصر المفاجأة الاستراتيجية.

ولم يكن العبور منفصلًا عن منظومة عسكرية متكاملة؛ فقد لعب سلاح الدفاع الجوي دورًا مهمًا في حماية القوات المصرية وتقليل فاعلية الطيران الإسرائيلي في بداية الحرب، بينما ساهمت القوات الجوية في تنفيذ ضربات تمهيدية ضد أهداف عسكرية محددة. كما كان التنسيق بين المشاة والمدرعات والمدفعية وعناصر المهندسين العسكريين ضروريًا لتثبيت القوات المصرية على الضفة الشرقية.

لكن الحرب لم تكن سهلة أو محسومة منذ بدايتها. فقد شهدت الأيام التالية معارك عنيفة وتغيرات في الموقف العسكري، وتمكنت القوات الإسرائيلية من تنفيذ عمليات مضادة، وصولًا إلى منطقة الثغرة غرب القناة. وهنا تتضح طبيعة الحرب باعتبارها صراعًا متحركًا لا يمكن اختزاله في لحظة العبور وحدها. ومع استمرار القتال، تدخلت العوامل السياسية والدبلوماسية بقوة، وأصبح وقف إطلاق النار جزءًا من المشهد العسكري والسياسي.

ومن الناحية الاستراتيجية، حققت حرب أكتوبر تحولًا مهمًا في الواقع الذي نشأ بعد حرب 1967. فقد أثبتت أن خطوط الدفاع والتحصينات، مهما بلغت قوتها، ليست ضمانًا مطلقًا أمام التخطيط الجيد والمبادرة. كما أعادت الحرب للقضية الفلسطينية والعربية حضورها القوي في الحسابات الدولية، وفتحت الباب أمام تحولات سياسية ودبلوماسية لاحقة في المنطقة.

وتبرز أهمية الحرب كذلك في بعدها النفسي؛ فقد نجحت في كسر حالة الجمود التي أعقبت عام 1967، وأعادت إلى الجندي المصري والمجتمع المصري شعور القدرة على المبادرة والفعل. فالانتصار هنا لم يكن مجرد تقدم جغرافي، بل كان استعادة للثقة بعد تجربة عسكرية قاسية.

فإن الدرس الأهم من حرب أكتوبر لا يكمن في تفاصيل المعارك وحدها، بل في قدرة التخطيط المنظم على تغيير واقع يبدو ثابتًا. فقد اجتمعت الإرادة السياسية مع الإعداد العسكري، والتدريب مع الابتكار، والمفاجأة مع حسن استغلال اللحظة. ولهذا بقيت حرب أكتوبر علامة بارزة في التاريخ العسكري المصري والعربي؛ لأنها قدمت نموذجًا على أن استعادة المبادرة تبدأ أولًا من معرفة الإمكانات الحقيقية، ثم تحويلها بالتخطيط والانضباط إلى قوة قادرة على تغيير موازين الصراع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.