محمد هنداوي يكتب | أكتوبر.. شهيد كُفن بعلم مصر
في أعقاب هزيمة يونيو 1967، كانت سيناء المصرية ترزح تحت الاحتلال الإسرائيلي، فيما امتدت آثار الهزيمة إلى أراضٍ عربية أخرى في سوريا والأردن. ولم تكن الخسارة مجرد تبدل في خرائط السيطرة، بل كانت جرحًا عميقًا أصاب الوجدان العربي، وفرض على الدولة المصرية تحديًا يتجاوز إعادة بناء القوات المسلحة؛ إذ أصبح استرداد الأرض يتطلب معرفة دقيقة بما يجري خلف خطوط العدو، وفهمًا لطبيعة استعداداته العسكرية وقدراته الدفاعية.
في تلك اللحظة، لم تكن المعركة تُخاض بالسلاح وحده. فبينما كانت القوات المسلحة تعيد تنظيم صفوفها، كانت أجهزة الدولة تعمل على استكمال عناصر الاستعداد للمواجهة المقبلة، وكان للعمل الاستخباراتي دور بالغ الأهمية في جمع المعلومات التي تساعد القيادة على تقدير الموقف.
كانت سيناء، بالنسبة إلى المخطط العسكري المصري، أرضًا ينبغي تحريرها، وبالنسبة إلى رجل المخابرات، مسرحًا لا بد من فهم تفاصيله قبل أن تبدأ المعركة. وبين الهدفين ظهرت الحاجة إلى رجال يستطيعون الوصول إلى عمق العدو، والعيش داخل مجتمعه، وجمع المعلومات دون أن تنكشف هويتهم الحقيقية.
كان المطلوب رجالًا يقبلون التخلي عن أسمائهم وحياتهم السابقة، ويستبدلون بها هويات جديدة، لا لأنهم يريدون الهروب من ماضيهم، بل لأنهم يحملون وطنهم معهم إلى مكان لا يستطيعون فيه إعلان انتمائهم إليه.
ومن بين هؤلاء كان عمرو مصطفى طلبة. رجل عاش باسمٍ مستعار ومات من أجل وطنه
- وُلد عمرو مصطفى طلبة في القاهرة في يوليو 1936، وكان في الثانية والثلاثين من عمره تقريبًا حين بدأت رحلته نحو واحدة من أكثر المهام خطورة في حياته.
مثل كثير من أبناء جيله، عاش طلبة وقع هزيمة يونيو، وما خلفته من ألم ورغبة في استعادة الأرض والكرامة. وحين عُرضت عليه فرصة خدمة مصر من داخل إسرائيل، لم يكن التكليف يتطلب منه الالتحاق بتشكيل عسكري معروف، بل خوض تجربة مختلفة تمامًا: أن يصبح جزءًا من المجتمع الذي أُرسل لجمع المعلومات عنه، وأن يعيش بين أفراده دون أن يعرفوا حقيقته.
كانت المهمة تعني التخلي عن هويته، وبناء شخصية جديدة متكاملة، لها اسم وماضٍ وانتماء وسلوك يتسق مع المجتمع الذي ستعيش داخله. ولم يكن كافيًا أن يحمل أوراقًا باسم آخر؛ بل كان عليه أن يتقن تفاصيل حياته الجديدة حتى لا تفضحه كلمة أو تصرف أو إجابة مرتبكة.
خضع طلبة لإعداد خاص قسم المعايشة الإسرائيلية، وتم وضع ستاراً يسمح له بأن يترك عائلته دون ان يلفت الأنظار بسفرة من خلال بعثة تعليمية وستاراً اخر لتكون الشخصية الجديدة له ويكون لها تاريخ ضمن المجتمع اليهودي والتي علية ان يتعايشها بكل جوانبها، شمل تعلم اللغة العبرية ودراسة الديانة اليهودية وتعاليمها، إلى جانب التدريب على الدفاع عن النفس، وجمع المعلومات وتحليلها، واستخدام الشفرة واللاسلكي، ومهارات التخفي والتعامل مع المواقف الخطرة.
كان الإعداد يستهدف تحويل الهوية المستعارة من غطاء شكلي إلى شخصية قادرة على الاستمرار في الحياة اليومية دون إثارة الشكوك. وفي هذا النوع من العمل، لا تنتهي المهمة عند عبور الحدود، بل تبدأ هناك؛ حين يصبح كل تفصيل في حياة العميل اختبارًا لقدرة الغطاء على الصمود.
واختير له اسم جديد: موسى زكي رافع.
بهذا الاسم، غادر عمرو طلبة حياته القديمة إلى عالم لم يكن يعرف كيف ستنتهي رحلته فيه. وفي عام 1968، انطلق من ميناء الإسكندرية متجهًا إلى كوالالمبور في ماليزيا، ليبدأ مرحلة التعايش مع شخصيته الجديدة، تمهيدًا للتقدم للهجرة إلى إسرائيل والاندماج في المجتمع الذي ستُنفذ داخله مهمته.
لم تكن ماليزيا سوى محطة في الطريق. فقد كان المطلوب بناء مسار حياة يبدو طبيعيًا، يسمح له بالوصول إلى إسرائيل ضمن مسار الهجرة، ثم الاستقرار والعمل وتكوين شبكة من العلاقات الاجتماعية التي تساعده على الاندماج.
لم يكن الوصول إلى إسرائيل هو الغاية النهائية؛ الغاية كانت أن يصبح وجوده فيها أمرًا عاديًا، وألا يبدو رجلًا جاء من الخارج لأداء مهمة محددة.
بعد استقراره في إسرائيل، بدأ موسى زكي رافع بناء حياته الاجتماعية، مستفيدًا من شخصيته الجديدة وقدرته على التعامل باللغة العبرية. ووفق الوثائق المتداولة عن مهمته، وصلت إليه إشارة التفعيل من مصر، كما وصلت أدوات عمله مخبأة داخل أدوات حلاقة، في صورة تعكس طبيعة الاتصالات السرية التي لا تحتمل وسائلها الظهور بصورة تثير الشبهات.
بدأت مرحلة جديدة؛ لم يعد المطلوب مجرد المحافظة على الهوية المستعارة، بل توظيفها للوصول إلى المعلومات التي تحتاج إليها القاهرة.
ساعدته علاقاته داخل المجتمع الإسرائيلي، ومنها صداقته مع إحدى عضوات الكنيست ذات الحضور الاجتماعي، في الوصول إلى موقع عمل داخل منظومة المراسلات في تل أبيب. وبحكم إتقانه اللغة العربية وخلفيته التي بدت متسقة مع شخصيته الجديدة، أُسندت إليه مهمة مراقبة مراسلات الجنود المتجهة إلى الجبهة.
أصبح الموقع يتيح له الاطلاع على معلومات يمكن أن تساعد في تكوين صورة عن أحوال الجنود وما يرتبط بخطوط المواجهة، وكان ينقل ما يحصل عليه إلى القيادة المصرية.
لكن عام 1972 حمل تحولًا جديدًا في مسار المهمة، حيث صدرت إليه تعليمات بافتعال خلاف مع صديقته، تمهيدًا لتغيير موقعه الوظيفي والانتقال إلى مجال أكثر اتصالًا بالقوات الإسرائيلية الموجودة في سيناء.
كان الانتقال إلى موقع عسكري متقدم يعني الاقتراب من منطقة تزداد فيها قيمة المعلومات، كما يعني ارتفاع مستوى الخطر. فالمهمة التي بدأت ببناء هوية اجتماعية في مجتمع معادٍ أصبحت تقترب من قلب المنظومة العسكرية التي تستعد مصر لمواجهتها.
وقد انتهى هذا المسار بانتقاله إلى إحدى الوحدات الإسرائيلية العاملة في سيناء، حيث تولى مسؤولية تتعلق بالاتصالات والإشارات اللاسلكية بين القيادة والجبهة، داخل وحدة ذات طبيعة خاصة في الجيش الإسرائيلي.
هكذا وصل البطل الذي غادر الإسكندرية باسم مستعار إلى موقع عسكري حساس على أرض سيناء المحتلة. ووفق الوثائق، أتاح له عمله نقل معلومات تتعلق بمواقع القوات الإسرائيلية وتحصيناتها، بما يسهم في دعم تقدير الموقف لدى القيادة المصرية.
لم تكن قيمة ما يرسله في عدد المعلومات وحده، بل في صلتها بمعركة يجري الإعداد لها. فالمعلومة العسكرية لا تكتسب أهميتها بمجرد الحصول عليها، وإنما بما تضيفه إلى فهم مواقع العدو واستعداداته، وبما تمنحه لصانع القرار من عناصر تساعده على التخطيط.
وبينما كان عمرو طلبة يؤدي مهمته تحت اسم موسى زكي رافع، كانت مصر تواصل استعدادها لاسترداد سيناء.
ومع اقتراب المواجهة، أصبحت مهمة بطلنا أكثر خطورة. فالموقع الذي يعمل فيه لم يعد مجرد مكان لجمع المعلومات، بل صار معرضًا لأن يتحول إلى ساحة قتال مع اندلاع الحرب.
وتذكر الوثائق أنه تلقى من القيادة المصرية تعليمات بالانسحاب حفاظًا على حياته، قبل بدء العمليات العسكرية. كان تنفيذ التعليمات يعني مغادرة الموقع، والابتعاد عن الخطر الذي بات يهدد كل من يوجد في محيط الجبهة.
لكن البطل، رفض المغادرة، وآثر البقاء في موقعه ليواصل أداء مهمته.
وفي السادس من أكتوبر عام 1973، بدأت القوات المسلحة المصرية عبور قناة السويس، وانطلقت معركة استرداد الأرض. تحولت التحصينات والمواقع الإسرائيلية إلى أهداف في مواجهة عسكرية واسعة، وبدأت الوحدات الموجودة في سيناء تتحرك وفق مقتضيات العمليات.
وفي خضَم هذه التطورات، تعرض الموقع الإسرائيلي الذي كان يوجد فيه عمرو طلبة للقصف، بعدما تحركت وحدته إلى خط المواجهة، بحسب الرواية الواردة عن مهمته.
هناك، في القنطرة شرق، استشهد البطل الذي عاش سنوات باسم مستعار، وأخفى هويته الحقيقية عن المجتمع الذي اندمج فيه، وظل يؤدي مهمته في صمت حتى اللحظة الأخيرة من استشهاده.
لم يكن عمرو طلبة جنديًا يقاتل مرتديًا الزي العسكري المصري، ولم يكن يستطيع إعلان انتمائه إلى وطنه في المكان الذي عمل فيه. لقد كانت هويته المستعارة شرطًا لاستمرار مهمته، وكانت المحافظة عليها جزءًا من المخاطر التي عاشها كل يوم.
لقد وهب روحة وحياتة كلها مقابل تحرير وطنه.
لم تكن التضحية في قصته مرتبطة بلحظة استشهاد فحسب، بل بسنوات من التخلي عن الحياة التي يعرفها، والعيش باسم غير اسمه، والابتعاد عن وطنه، وتحمل مسؤولية لا يستطيع أن يتحدث عنها أو يطلب تقديرًا علنيًا لها.
لقد انتهت حياة موسى زكي رافع، لكن الحقيقة التي أخفاها الاسم المستعار بقيت: كان الرجل مصريًا، وكانت مهمته مرتبطة بمعركة استرداد أرضه.
وتنقل الوثائق عن ضابط الحالة بالمخابرات العامة المصرية، السيد ماهر عبد الحميد، قوله في سياق استعادة الشهيد:
( لقد حملناه عائدين دون أن نذرف دمعة واحدة، فقد نال شرفًا لم نحظ به بعد)
تحمل هذه العبارة دلالة خاصة في قصة رجل عاش بعيدًا عن هويته الحقيقية، ولم يكن قادرًا على إعلان مهمته لمن حوله. فقد انتهت الرحلة التي بدأها قبل سنوات، ولم يعد هناك ما يستدعي إخفاء اسمه عن وطنه، وإن كانت تفاصيل العمل السري قد ظلت مرتبطة بطبيعتها الخاصة.
وتذكر الوثائق أن عمرو طلبة عاد إلى مصر مكفنًا بعلمها، رغم أنه كان يرتدي زي العدو أثناء أداء مهمته.
في هذه الصورة تتجسد المفارقة التي تمنح قصته معناها الإنساني: رجل عاش بهوية مستعارة، وظهر أمام الآخرين باسم موسى زكي رافع، بينما كان اسمه الحقيقي عمرو مصطفى طلبة؛ وحين انتهت حياته، عاد إلى وطنه الذي عمل من أجله، محمولًا بعلمه.
لم يكن العلم مجرد غطاء لجثمانه، بل كان علامة على انتماء لم يتغير، رغم كل ما اضطر إلى إخفائه. لقد ارتدى هوية أخرى كي يتمكن من الوصول إلى موقعه، لكنه لم يستبدل بوطنه وطنًا، ولم يتخلَّ عن الهدف الذي خرج من أجله.
إن قصة عمرو طلبة تضعنا أمام وجه آخر من وجوه حرب أكتوبر؛ وجه لا تظهر فيه الدبابات وهي تعبر القناة، ولا المقاتلون وهم يرفعون العلم فوق التحصينات، بل يظهر فيه رجل يخوض معركته بعيدًا عن الأنظار، ويجعل من حياته غطاءً لمهمة تتطلب الصمت حتى النهاية.
فقد احتاجت معركة استرداد سيناء إلى إعداد عسكري وتخطيط استراتيجي ومعلومات تساعد القيادة على فهم قدرات العدو ومواقعه. وكان العمل الاستخباراتي أحد عناصر هذا الإعداد، بما يتضمنه من مخاطر يتحملها رجال لا يستطيعون الكشف عن هوياتهم أو رواية ما يقومون به.
كان عمرو طلبة واحدًا من هؤلاء الابطال في الظل يعملون بصمت ولم يحتج إلى أن يعلن بطولته؛ فقد كانت طبيعة المهمة تفرض عليه التضحية والفداء. ولم يكن قادرًا على أن يروي لأهله أو لأصدقائه حقيقة السنوات التي عاشها، أو أن يشرح لهم ما الذي اضطر للتخلي عنه.
لكن حكايته بقيت شاهدًا على أن البطولة لا ترتبط دائمًا بالزيٍّ العسكري أو المشهد المعلن، وأن بعض الرجال يؤدون واجبهم في صمت، بينما لا يعرف العالم حقيقتهم إلا بعد أن يصبحوا جزءًا من ذاكرة الوطن.
عمرو مصطفى طلبة.. الرجل الذي أخفى وخاض معركته في قلب العدو، ثم استشهد على أرض سيناء.
لقد عاش بهوية العدو، لكنه عاد إلى مصر بهوية البطل الوطني، محمولًا بعلمها الذي لم يتخلَّ عنه يومًا.
في أكتوبر، لم يكن كل أبطال مصر فقط من يرتدون زيها العسكري؛ بعضهم ارتدى زي العدو، وعاش في الظل، حتى كُفِّن بشرف وكرامة وعزة نصر في النهاية بعلم مصر.
عمرو مصطفى طلبة.. حكاية رجل عاش باسمٍ مستعار واستشهد من أجل وطنه