أسماء عبد الله تكتب | أكتوبر.. حكاية تُروى على مهل
في بيت جدي، على الحائط المقابل للنافذة، تتدلى صورة بالأبيض والأسود،. بها شاب نحيل يرتدي بدلة رملية ، يقف مبتسمابفخر في قلب الصحراء، وذات يوم في ذكرى اكتوبر وجدت جدي واقفا أمامها بعينان مملؤئتان بالفخر ويمزجهما الفخر ،اقتربت منه أجاب دون سؤال… يوم ما عبرنا .
لم تمر كلمة “عبرنا”علي ككلمة عابرة، تلك الكلمة كانت تتردد دائما في أذني وتفتح بابا لحكاية طويلة، لم أكن أدرك حينها أنها ليست حكاية جد واحد، بل حكاية وطن كامل.
اليوم،و بعد مرور أكثر من خمسين عاما على السادس من أكتوبر ١٩٧٣، أجلس لأكتب هذا المقال. ليس لأروي التاريخ من كتبه المدرسية، بل محاولة لفهم كيف تحولت تلك الساعات من ملحمة وطنية إلى رؤية تنموية؟
ما حدث كان أشبه بمعجزة عسكرية بكل المقاييس كللها التوفيق من الله، حين نجحت قواتنا المسلحة في اقتحام قناة السويس وتدمير خط بارليف، ذلك الخط الدفاعي الذي وصفه خبراء العالم بأنه أقوى خط دفاعي في التاريخ الحديث، لكن هناك بطلا في الخفاء ، وله كلمة السر في “العبور” وهو الشعب المصري،أمهات يتنازلن عن الذهب الذي يملكنه لدعم الدولة،تطوع لدعم المصابين،أطفال في الشوارع تهتف، ملحمة تمنينا لو عاصرناها.
ولكن .. قدر لنا أن نعيش ونعاصر مرحلة جديدة لم تكن أقل صعوبة، بل كانت تحدي حقيقي ، ليس التحدي فقط استعادة الأرض، بل استثمار النصر لبناء وطن يستحق التضحية.
عبرنا .. كلمة حملت في طياتها الكثير من المعاني، بل كانت بداية جديدة. بدأت مصر في وضع خطط طموحة لتنمية سيناء، تلك الأرض التي كانت ساحة للمعارك لسنوات طويلة، لتصبح قاطرة للاقتصاد المصري. مشروع خط السكة الحديد الجديد الذي يربط الفردان بشرق بورسعيد وبير العبد والعريش بطول ٥٠٠كيلومتر، والمناطق الصناعية الجديدة، والتجمعات الزراعية التي تخدم مزارعي وسط سيناء، كلها كانت امتدادا طبيعيا يحمل روح أكتوبر.
ما نراه اليوم من مشروعات قومية ضخمة، من قناة السويس الجديدة إلى العاصمة الإدارية، ومن شبكات الطرق والكباري إلى المدن الجديدة، هو في جوهره عبور جديد..
وإذا تمعنا النظر في شعار الاحتفال هذا العام نجده يحمل رسالة رمزية عن امتداد روح العبور من استعادة الأرض إلى عبور جديد نحو البناء والتنمية، لتصبح ذكرى النصر نقطة اتصال بين تاريخ مصر العسكري ومسيرتها نحو الجمهورية الجديدة ناهيك عن الإنجازات الحالية خاصة في مجالات الصناعة والاستراتيجيات العسكرية تؤكد أن مصر في طريقها الصحيح، وأن ما يحدث اليوم يشبه معجزة جديدة تشبه معجزة نصر أكتوبر المجيد.
لقد حبى الله جيلنا ان يقرأ الذكرى بوصفها سؤال عن المعنى، ماذا يعني الانتصار بعد نصف قرن من التحولات؟ وهذه هي النقطة الجوهرية، أكتوبر لم يعد مجرد ذكرى نستدعيها كل عام، بل أصبح جزء من وعي الأجيال، يعيد تشكيل هويتهم وإحساسهم بقدرتهم على الفعل والتغيير.
العبور الحقيقي هو ما نعيشه كل يوم، في مدرسة تبنى في سيناء، في مصنع يفتح أبوابه، في شاب يتعلم مهارة جديدة، في وطن يحاول أن يقف على قدميه رغم كل التحديات.
حين أتأمل صورة جدي المعلقة على الحائط، لا أرى فقط شاب عبر قناة السويس. أرى بداية طريق طويل، طريق ما زلنا نسير فيه فذكرى أكتوبر ليست مجرد ذكرى حرب بل ذكرى عبور وما زلنا نبني ونعبر.