د. شريف عبد الحميد يكتب | أكتوبر.. عبور لا يتوقف
التاريخ لا يكتب فقط بحبر المطابع، بل يكتب بدم وتعب وعرق الشعوب التي ترفض أن تموت، وفي أجندة
الوطنية المصرية، السادس من أكتوبر ليس مجرد يوم في ورقة نتيجة حائط، نقلبها كل عام لنحتفل ثم نمضي إلى
حال سبيلنا؛ فأكتوبر في حقيقته ليس ذكرى، بل هو “حالة” مصرية خالصة، جين كامن في دماء هذا البلد، يغلي
ويفور كلما ظن الغرباء أو المرجفون أن مصر قد انحنت، أو أن ظهرها قد قُصم.
إذا عدنا بالذاكرة إلى ما قبل ظهيرة ذلك اليوم المجيد، سنجد عالماً بأكمله يراهن على سقوطنا، كان العدو يتمدد
خلف أسطورة “الجيش الذي لا يقهر”، ويحتمي خلف جبل من الرمال والصلب اسمه “خط بارليف”، بينما كانت
آلة الدعاية العالمية تصدر لنا يومياً رسالة واحدة: “استسلموا.. لقد انتهى الأمر”. لكن الفلاح المصري والعامل
والطالب، الذين ارتدوا الكاكي واحتضنوا بنادقهم في خنادق سيناء، كان لهم رأي آخر، لم يمتلكوا وقتها رفاهية
اليأس، ولم يلتفتوا إلى ضجيج الإحباط، بل حولوا الصمت الطويل إلى زلزال الساعة الثانية وخمس دقائق ظهراً،
فعبروا القناة، وعبروا معها حاجز المستحيل.
تعالوا ننظر إلى خريطة اليوم، هل تغيرت الصورة كثيراً؟ الخرائط من حولنا تشتعل، دول تتشظى، وعواصم
تُستباح، وأصوات المدافع لا تهدأ في إقليم قرر أن يجلس على برميل بارود، وسط هذا الحزام المتصل من النار
والجنون، تقف مصر ثابتة، راسخة كوتد الخيمة، ولكن المعركة لم تنتهي، بل غيرت جلدها وأدواتها.
فالعدو اليوم لم يعد يقف بالضرورة على الضفة الأخرى مرتدياً زياً عسكرياً وموجهاً فوهة دبابته نحو صدورنا،
فالعدو اليوم أكثر خبثاً وتخفياً؛ إنه يتسلل عبر شاشات الهواتف، يتغذى على الشائعات، ويستهدف العقول قبل
الحدود.؛ “خط بارليف” في زماننا هذا لم يعد من رمال وأسمنت، بل هو جدار وهمي من التشكيك وإحباط
العزائم، يُبنى يومياً في الفضاء الإلكتروني، لمحاولة إقناع الشباب بأن القادم أسوأ، وبأن الحل هو الهروب أو
الاستسلام لحالة اليأس العام.
هنا، وفي هذه اللحظة الفارقة، تتجلى مسؤوليتنا كجيل جديد يتصدر المشهد السياسي والمجتمعي، ندرك تماماً
أننا نقف على خط النار ذاته الذي وقف عليه آباءنا في 73، ولكن بأسلحة مختلفة، خندقنا اليوم هو منصات الحوار،
سلاحنا هو الوعي، وذخيرتنا هي الأفكار التي تبني ولا تهدم.
على سبيل المثال؛ أثبتت تجربة تنسيقية شباب الأحزاب أن “العبور” ممكن دائماً متى توفرت الإرادة، فقد عبروا
فوق الخلافات الأيديولوجية الضيقة، وعبروا حاجز الصوت الواحد، ليجلسوا معاً على طاولة واحدة، هدفها الأسمى
هو “الوطن”، هذا هو امتداد روح أكتوبر الحقيقية؛ أن تدرك أن اختلافك مع أخيك في الرأي لا يفسد للوطن قضية،
وأن بناء الجمهورية الجديدة يحتاج إلى كل ساعد وكل عقل.
فإن أهم درس تركه لنا جيل أكتوبر هو “الاصطفاف”، ففي أيام المعركة، اختفت الجرائم من شوارع القاهرة،
وتنازل الناس عن مطالبهم الفئوية، وصار النبض واحداً. واليوم، ونحن نواجه تحديات اقتصادية عالمية طاحنة،
ومخاطر إقليمية غير مسبوقة تستهدف أمننا القومي من كل اتجاه، لا طوق نجاة لنا إلا هذا الاصطفاف.
الدولة المصرية تخوض اليوم حرب بقاء وبناء في آن واحد؛ تبني مدناً ومصانع وتستصلح صحاري، وفي نفس
الوقت تبني جداراً من الردع لحماية هذا المكتسبات، ونحن دورنا كشباب وسياسيين ألا نكتفي بمقاعد
المتفرجين، بل أن نكون رأس الحربة في معركة التنوير وصد الهجمات التي تستهدف وعي المواطن؛ فإن نصر
أكتوبر لم يكن معجزة هبطت من السماء، بل كان نتيجة حتمية لتخطيط علمي، وعرق، وإيمان لا يتزعزع بحقنا
في الحياة، ولن نعبر أزماتنا الحالية بالدعاء وحده، بل بالعمل والتشارك والتخطيط.
المعركة مستمرة، والعبور لا يتوقف، وكما أثبت المصريون للعالم في 73 أنهم قادرون على قهر المستحيل، فإن
هذا الجيل قادر، بوعيه وإرادته، على حماية وطنه والعبور به نحو مستقبل يليق بتاريخ هذه الأمة العظيمة.