د. رباب العشري تكتب | أكتوبر.. ملحمة كُتبت بعزيمة
من قال إن أبطال أكتوبر كانوا جميعًا على الجبهة؟
ربما آن الأوان أن نعيد قراءة واحدة من أعظم صفحات التاريخ المصري من زاوية لم تحظَ بما يكفي من الضوء: زاوية المرأة المصرية.
لا أحد ينتقص من بطولة الجندي الذي حمل السلاح، ولا من تضحيات الشهداء والمقاتلين. لكن البطولة لا تبدأ عند خط النار وتنتهي عنده. فبينما كان الرجال يخوضون معركة العبور، كانت النساء يخضن معركة أخرى لا تقل قسوة؛ معركة الانتظار، والمسؤولية، والعمل، والخوف الذي لا يُسمح له بأن يتحول إلى انكسار.
في أكتوبر 1973، لم تكن الأم مجرد امرأة تودع ابنها قبل الذهاب إلى الجبهة؛ كانت تعرف أن الوطن قد يطلب منها أن تتحمل أصعب ما يمكن أن تتحمله أم. وكانت الزوجة تعيش أيام الحرب وهي لا تعرف متى يعود زوجها، إن كان سيعود. وكانت الابنة تكبر في أيام قليلة، لأن الحرب تفرض على النساء مسؤوليات أكبر من أعمارهن.
وفي الوقت نفسه، لم تتوقف عجلة الحياة.
نساء في المستشفيات، وفي مواقع العمل، وفي المؤسسات، وفي البيوت؛ يقدمن ما يستطعن من دعم وإغاثة، ويحافظن على تماسك أسرهن، ويواصلن العمل والإنتاج، ويؤكدن أن الحرب لا تستطيع أن توقف شعبًا قرر أن ينتصر.
وهنا تحديدًا تكمن الحكاية التي يجب ألا تُدفن تحت الرواية التقليدية للحرب.
فحين نتحدث عن النصر، نتحدث كثيرًا عن العبور والخطط العسكرية وبطولات المقاتلين، وهذا جزء أصيل من الحقيقة. لكن هناك حقيقة أخرى: أن الجبهة كانت تمتد إلى داخل كل بيت مصري.
كانت المرأة جزءًا من هذه الجبهة، وإن اختلف موقعها واختلف سلاحها.
لم تحمل كل امرأة بندقية، لكنها حملت مسؤولية أسرة كاملة. لم تكن جميعهن في ميادين القتال، لكنهن عشن القلق نفسه، وانتظرن الأخبار نفسها، ودفعن من أعصابهن ومشاعرهن ثمنًا للحرب.
والأهم أن المرأة المصرية لم تتعامل مع الحرب باعتبارها شأنًا يخص الرجال وحدهم؛ بل باعتبارها قضية وطن، والوطن حين يدخل معركة لا يبقى فيها أحد خارج المسؤولية.
لذلك فإن الاحتفاء بدور المرأة في أكتوبر ليس محاولة لإعادة توزيع البطولة، ولا منافسة بين الرجل والمرأة؛ بل هو استرداد لجزء من الذاكرة الوطنية.
فالمرأة التي ودعت ابنها، والزوجة التي احتملت غياب زوجها، والأم التي أخفت دموعها، والعاملة التي واصلت عملها، والمتطوعة التي قدمت ما تستطيع… كلهن كن جزءًا من المشهد الذي صنع قدرة المجتمع المصري على الصمود.
لقد كان العبور على الضفة الأخرى للقناة، لكن الصمود كان على كل ضفاف الوطن.
ومن هنا، فإننا حين نروي أكتوبر للأجيال الجديدة، علينا ألا نكتفي بصورة المقاتل وهو يعبر القناة، بل نفتح أيضًا صفحات النساء اللواتي حملن الوطن في غياب الرجال.
لأن التاريخ العادل لا يسأل فقط: من حمل السلاح؟
بل يسأل أيضًا: من حافظ على الوطن واقفًا بينما كان أبناؤه يحاربون من أجله؟
وهنا تأتي الإجابة واضحة:
كانت المرأة المصرية هناك… وكانت جزءًا من ملحمة النصر.