د. مروة إبراهيم تكتب | أكتوبر.. وطن لا يعرف اليأس
لم تكن مصر في السادس من أكتوبر تقف على ضفة حرب تنتظر أن تبدأ، بل كانت تقف على حافة اختبار
تاريخي بالغ القسوة؛ اختبارا بدا فيه الطريق إلى النصر محفوفا بالشكوك، بينما كان الاحتلال يحاول أن يجعل من
واقع مؤقت حقيقة دائمة، وأن يقنع المنطقة كلها بأن ما أُخذ بالقوة لا يمكن استرداده بالإرادة.
لكن مصر لم تتعامل مع الهزيمة باعتبارها قدرا، ولم تسمح للظرف القاسي أن يتحول إلى عقيدة. كانت تعرف أن
الدول الكبرى ليست تلك التي لا تنكسر، وإنما تلك التي تعرف كيف تجمع شتاتها، وتعيد بناء قوتها، ثم تعود إلى
التاريخ بشروطها هي.
ومن هنا بدأ أكتوبر قبل أن يبدأ القتال.
بدأ يوم تحولت الإرادة إلى إعداد، والإعداد إلى تخطيط، والتخطيط إلى قرار. لم يكن العبور وليد لحظة غضب،
بل ثمرة دولة أعادت ترتيب أوراقها، وجيش استعاد قدرته وثقته، وقيادة أدركت أن استرداد الأرض يحتاج إلى
أكثر من الشجاعة؛ يحتاج إلى عقل يعرف متى يتحرك، وكيف يتحرك، وإلى إرادة لا تسمح للمستحيل أن يكون
صاحب الكلمة الأخيرة.
ثم جاء السادس من أكتوبر.
في لحظة واحدة، انفتح التاريخ على صفحة جديدة.
عبرت القوات المصرية قناة السويس، وسقط الحاجز الذي حاول الاحتلال أن يجعله جدارا يفصل مصر عن
حقها. لم يكن عبور الماء وحده هو المشهد؛ كان العبور الحقيقي هو عبور الإنسان المصري من موقع المفروض
عليه إلى موقع القادر على صناعة قراره.
هنا ظهرت قيمة الجندي المصري.
ذلك الذي لم يدخل المعركة حاملا سلاحه فقط، بل حاملا وطنا كاملا في قلبه. لم يكن يقاتل من أجل لحظة انتصار
عابرة، وإنما من أجل أن تعود للأرض سيادتها، وللدولة هيبتها، وللإنسان المصري يقينه بأنه قادر على مواجهة
ما قيل له يوما إنه مستحيل.
وفي أكتوبر، لم تنتصر القوة وحدها.
انتصرت الإرادة حين سبقت الرصاصة، وانتصرت الدولة حين أحسنت إعداد اللحظة، وانتصرت القيادة حين
حولت الحسابات الصعبة إلى قرار شجاع، وانتصرت مصر حين رفضت أن يكون تاريخها مجرد سجل لما حدث
لها، وقررت أن تكون هي من يصنع ما سيحدث.
لهذا لا يمكن قراءة أكتوبر باعتباره تاريخا عسكريا فحسب. إنه درس في معنى الدولة حين تتماسك، وفي معنى
الوطن حين تتحول مشاعر أبنائه إلى قدرة منظمة، وفي معنى السيادة حين تصبح فعلا لا شعارا.
لقد قالت مصر في أكتوبر ما لا تحتاج الدول العظيمة إلى تكراره كثيرا:
أن الأرض قد تُغتصب، لكن الإرادة لا تُحتل.
وأن الطريق قد يطول، لكن الدولة التي تعرف غايتها لا تضيع.
وأن المستحيل ليس حقيقة سياسية، بل رأي مؤقت يسقط أمام شعب قرر أن يصنع واقعه بيده.
ذلك هو أكتوبر؛ ليس يوما عبرت فيه مصر قناة، وإنما يوما عبرت فيه مصر إلى مساحة جديدة من التاريخ،
وكتبت بدماء رجالها قاعدة لا تسقط بالتقادم:
حين تؤمن الدولة بقدرتها، وتعرف كيف تحول إرادتها إلى فعل، يصبح المستحيل مجرد اسم آخر لمعركة لم تبدأ بعد