مروة إبراهيم تكتب | الفلاح والوطن
في قبضة الفلاح المصري شيء أكبر من حفنة تراب؛ ففي تلك اليد التي تشق الأرض، وتلقي البذرة، وتنتظر
المطر، وتقاوم قسوة الموسم، تختبئ واحدة من أقدم معادلات البقاء في هذا الوطن. وبينما تتبدل خرائط السياسة،
وتتقلب أسواق العالم، وتضطرب سلاسل الإمداد، تظل حبة القمح في باطن الأرض أكثر من محصول؛ إنها وعدٌ
بالاستقرار، وقطعة من معنى السيادة.
لم تعد قضية الغذاء شأنًا زراعيًا محدودًا، ولا ملفًا اقتصاديًا يمكن النظر إليه بمعزل عن حركة العالم. لقد
أصبح الأمن الغذائي أحد وجوه الأمن القومي، لأن الدولة التي تستطيع أن تؤمّن جزءًا معتبرًا من احتياجات
شعبها تملك مساحة أوسع من القدرة على القرار، وتكون أقل هشاشة أمام الأزمات وتقلبات الأسواق
والاضطرابات الدولية. ومن هنا تتجاوز قيمة الفلاح حدود الحقل إلى قلب المعادلة الوطنية؛ فالمحصول الذي يبدأ
من يده ينتهي أثره إلى مائدة الأسرة، وإلى استقرار السوق، وإلى قدرة الاقتصاد على الصمود.
والفلاح لا يزرع الأرض وحدها، بل يزرع دورة اقتصادية كاملة. خلف كل فدان منتج حركة من مستلزمات
وإنتاج ونقل وتخزين وتصنيع وتجارة، وفرص عمل تتسع كلما انتقلت الزراعة من مجرد إنتاج أولي إلى اقتصاد
زراعي متكامل يضيف القيمة إلى المحصول قبل أن يغادر أرضه. وحين تتحول الزراعة إلى صناعة متشابكة
مع التكنولوجيا والتصنيع والتصدير والابتكار، فإنها لا تصبح فقط وسيلة لتوفير الغذاء، بل رافعة للنمو وتقليل
فاتورة الاستيراد وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد.
لكن حماية هذا المستقبل تبدأ من حماية الأرض نفسها. فالرقعة الزراعية ليست فراغًا يمكن أن تملأه الخرسانة
متى شاء العمران، وإنما رصيد وطني تشكل عبر أجيال، وفقدانها يعني فقدان قدرة إنتاجية لا تُستعاد بسهولة.
ولهذا فإن مواجهة التعدي على الأرض الزراعية ليست معركة عمرانية فحسب، بل دفاع عن مورد استراتيجي
وعن حق الأجيال المقبلة في أن تجد وطنًا قادرًا على إنتاج غذائه.
وهنا يأتي دور الدولة، لا باعتبارها داعمًا للفلاح فحسب، وإنما شريكًا في بناء منظومة زراعية أكثر كفاءة وقدرة
على الاستمرار؛ من توفير مستلزمات الإنتاج، وتطوير نظم الري، وترشيد المياه، وتحسين الإنتاجية، وتعزيز
الإرشاد والتكنولوجيا الزراعية، إلى تطوير التسويق والتخزين والتصنيع وتقليل الفاقد، بما يضمن للفلاح عائدًا
عادلًا يجعل الاستمرار في الزراعة خيارًا اقتصاديًا قادرًا على المنافسة.
وفي بلد محدود الموارد المائية، متزايد السكان، يواجه تغيرات مناخية وضغوطًا اقتصادية عالمية، تصبح كل
قطرة ماء وكل فدان منتج وكل بذرة محسوبة جزءًا من إدارة المستقبل. فالمعركة الحقيقية ليست فقط في زيادة
المساحة، وإنما في تعظيم إنتاجية الأرض، وحسن إدارة الموارد، وربط العلم بالحقل، والسياسة الاقتصادية
بمصالح من يقف كل صباح أمام أرضه.
وفي عيد الفلاح، لا ينبغي أن يكون الاحتفاء مجرد لحظة امتنان لمن يحمل فأسه أو يحرث حقله، بل لحظة وعي
بقيمة ما يحمله هذا الرجل من مسؤولية صامتة تجاه وطن بأكمله. فالفلاح ليس آخر حلقات الاقتصاد الزراعي،
بل أحد حراس استقراره، والأرض ليست مجرد مساحة جغرافية، بل أصل من أصول قوة الدولة.
الأرض لا تخون من يزرعها؛ لكنها تمنح أكثر حين نحسن حمايتها، وننصف من يعمل فيها، وننظر إليها بعين
المستقبل لا بعين اللحظة. وفي كل بذرة تُدفن اليوم، هناك قرار مؤجل عن شكل مصر غدًا: دولة تستهلك ما
تنتجه الآخرين، أم وطن يعرف أن من يملك غذاءه يملك قدرًا أكبر من قراره، وأن حماية الأرض في النهاية
ليست حماية للتراب، بل حماية للمستقبل نفسه.