سامح هليل يكتب | اقتصاد الجريمة

0

سلسلة: العالم بعد الذكاء الاصطناعي 

في المقالات السابقة من هذه السلسلة، تحدثنا عن الذكاء الاصطناعي وتأثيره على الحكومة، والبنوك،‌‌ والطبقة الوسطى. 

لكن هناك سؤالًا أكثر حساسية…‌‌ماذا يحدث عندما يدخل الذكاء الاصطناعي عالم الجريمة؟ 

لأن التكنولوجيا لا تختار وحدها بين الخير والشر فالأداة نفسها التي يمكن أن تستخدمها شركة لزيادة‌‌ 

إنتاجيتها قد يستخدمها مجرم لزيادة قدرته على الاحتيال. 

والنظام الذي تستطيع الدولة استخدامه لاكتشاف عملية مشبوهة يمكن أن يحاول مجرم استخدام‌‌ 

التكنولوجيا نفسها لتجاوز أنظمة الرقابة وهنا تبدأ قصة مختلفة تمامًا. 

“‌‌الجريمة لم تعد تحتاج إلى مسرح جريمة” 

في الماضي كان تصورنا للجريمة مرتبطًا بمكان بنك يُسرق، متجر يُقتحم، سيارة تُسرق، شخص‌‌ 

يتعرض للاحتيال. 

اليوم، يمكن أن تبدأ الجريمة من هاتف في غرفة صغيرة، وتصل إلى آلاف الضحايا في دول مختلفة‌‌ 

خلال وقت قصير وهنا يأتي الذكاء الاصطناعي ليغير المعادلة لأن المجرم لم يعد بحاجة إلى أن‌‌ 

يكون محترفًا في كل شيء ويمكن للتكنولوجيا أن تساعده في تحليل المعلومات، وأتمتة بعض‌‌ 

العمليات، وتخصيص محاولات الاحتيال، واستهداف عدد أكبر من الضحايا. 

وهذا يعني أن تكلفة الجريمة قد تنخفض، بينما قدرتها على الانتشار قد ترتفع وهذه نقطة اقتصادية‌‌ 

قبل أن تكون أمنية.‌‌  

“عندما تصبح الجريمة مشروعًا” 

وهنا ندخل إلى الجزء الأخطر. 

أي نشاط اقتصادي يقوم على معادلة بسيطة: التكلفة مقابل العائد. 

إذا كان تحقيق الجريمة يحتاج إلى وقت طويل، ومهارات عالية، ومخاطر كبيرة فعدد من سيحاولون‌‌ 

ارتكابها يكون محدودًا لكن إذا أصبحت التكنولوجيا تقلل التكلفة، وتزيد السرعة، وتوسع نطاق‌‌ 

الوصول إلى الضحايا…فإن اقتصاديات الجريمة نفسها تتغير والجريمة تصبح أكثر قابلية للتوسع‌‌ 

وكأننا أمام شركة غير قانونية تمتلك أدوات أتمتة. 

وهنا لا يعود السؤال: كيف نمنع جريمة واحدة؟ 

بل: كيف نمنع نموذجًا إجراميًا يمكنه تكرار نفسه آلاف المرات؟ 

“الاحتيال المالي… المعركة القادمة” 

القطاع المالي سيكون من أكثر القطاعات حساسية. 

البنوك وشركات الدفع الإلكتروني تمتلك أنظمة متطورة لاكتشاف العمليات غير الطبيعية والذكاء‌‌ 

الاصطناعي يمكنه تحليل ملايين المعاملات والبحث عن أنماط قد تشير إلى احتيال لكن في المقابل،‌‌ 

يستطيع المجرم استخدام التكنولوجيا لتطوير أساليب أكثر إقناعًا لاستهداف الضحايا. 

وهنا تبدأ معركة حقيقية: ‌‌AI‌‌ ضد ‌‌AI 

ذكاء اصطناعي يحاول حماية النظام…وذكاء اصطناعي يحاول خداعه. 

والفائز لن يكون بالضرورة من يمتلك التكنولوجيا الأقوى فقط… بل من يمتلك البيانات الأفضل،‌‌ 

والأنظمة الأسرع، والقدرة على التعلم من الهجمات السابقة. 

“لكن القصة لا تتوقف عند الاحتيال” 

هناك جانب اقتصادي أكبر. 

إذا ارتفعت تكلفة الجرائم الرقمية، فإن الشركات ستضطر إلى إنفاق المزيد على الأمن السيبراني. 

البنوك ستزيد استثماراتها في الحماية، شركات التأمين ستعيد حساب المخاطر، الحكومات ستحتاج‌‌ 

إلى تطوير البنية التشريعية والتقنية وستظهر وظائف جديدة بالكامل مرتبطة بإدارة مخاطر الذكاء‌‌ 

الاصطناعي والأمن الرقمي. 

أي أن الجريمة نفسها ستخلق سوقًا اقتصاديًا جديدًا لمكافحتها. 

وهنا مفارقة مثيرة: كلما تطورت الجريمة الرقمية… نما الاقتصاد المحيط بمواجهتها. 

“هل يمكن أن يساعد الذكاء الاصطناعي الدولة؟” 

بالتأكيد. 

وهنا يجب ألا ننظر إلى الصورة من جانب واحد. 

الدولة تستطيع استخدام الذكاء الاصطناعي لاكتشاف الأنماط غير الطبيعية، وتحليل البيانات المالية،‌‌ 

وربط المعلومات، ودعم التحقيقات، واكتشاف محاولات الاحتيال قبل أن تتوسع. 

البنك يستطيع اكتشاف عملية غير معتادة، شركة التأمين تستطيع اكتشاف مطالبة مشبوهة والجهات‌‌ 

المختصة تستطيع تحليل كم هائل من البيانات في وقت أقصر بكثير من قدرة البشر وحدهم. 

وهذا قد ينقل مكافحة الجريمة من مرحلة: “حدثت الجريمة… فلنبحث عن المجرم.” 

إلى: “هناك نمط غير طبيعي… فلنحاول منعه قبل أن يتحول إلى جريمة.” 

وهنا تظهر واحدة من أهم التحولات التي يمكن أن يحدثها الذكاء الاصطناعي في الأمن الاقتصادي. 

“لكن هناك خطًا أحمر” 

كلما أعطينا الدولة قدرة أكبر على تحليل البيانات… زاد السؤال أهمية: من يراقب من؟ 

إذا أصبح النظام قادرًا على تحليل تحركات الناس، ومعاملاتهم، وعلاقاتهم، وسلوكهم، فإن القدرة‌‌ 

التقنية قد تتجاوز أحيانًا ما يسمح به القانون أو ما يقبله المجتمع. 

وهنا يجب أن يكون هناك توازن دقيق بين: الأمن والخصوصية. 

لأن مكافحة الجريمة لا تعني أن يتحول كل مواطن إلى مشتبه به والذكاء الاصطناعي مهما كان‌‌ 

متقدمًا يمكن أن يخطئ والخطأ في توصية بمحتوى على الإنترنت شيء…والخطأ في اتهام إنسان‌‌ 

بجريمة شيء آخر تمامًا. 

“الاقتصاد يدخل على الخط مرة أخرى” 

هناك سؤال لا يُطرح كثيرًا: كم تكلف الجريمة الاقتصاد؟ 

الجريمة لا تعني فقط أموالًا مسروقة فهناك تكلفة على البنوك وعلى الشركات وعلى شركات التأمين‌‌ 

وعلى الدولة وعلى وقت أجهزة الأمن والقضاء وعلى ثقة المواطنين في الاقتصاد الرقمي. 

وعندما يخاف المواطن من استخدام الدفع الإلكتروني بسبب الاحتيال…فإن المشكلة لا تصبح أمنية‌‌ 

فقط بل تصبح مشكلة اقتصادية. 

لأن الاقتصاد الرقمي يحتاج إلى شيء واحد قبل التكنولوجيا نفسها: وهو الثقة. 

الذكاء الاصطناعي قد يجعل الجريمة أكثر ذكاءً…لكنه قد يجعل مواجهتها أكثر ذكاءً أيضًا. 

وهنا لا أعتقد أن المعركة ستنتهي بانتصار طرف واحد بل ستصبح أشبه بسباق مستمر كلما تطورت‌‌ 

أساليب الاحتيال، تطورت أنظمة الحماية وكلما ظهرت طريقة جديدة للهجوم، ظهرت أدوات جديدة‌‌ 

لاكتشافها. 

وهذا يعني أننا أمام نوع جديد من السباق التكنولوجي ليس سباقًا بين دولتين فقط… بل بين المهاجم‌‌ 

والمدافع. 

“الخطر الأكبر ليس التكنولوجيا”‌‌  

الخطر الحقيقي هو أن نستخدم تكنولوجيا جديدة بعقلية قديمة أن نحاول مواجهة جرائم رقمية بأدوات‌‌ 

ورقية أو أن نضع قوانين جديدة بعد أن تكون التكنولوجيا قد تجاوزتها أو أن ندرّب موظفين على‌‌ 

أساليب انتهت بينما المجرم يعمل بأدوات تتغير كل أسبوع. 

المطلوب ليس فقط شراء أنظمة ذكية المطلوب بناء منظومة ذكية “تشريعات تتطور، بيانات‌‌ 

مترابطة، كوادر مؤهلة، مؤسسات قادرة على التعاون.” 

وأهم من ذلك كله…عنصر بشري يفهم التكنولوجيا ولا يخاف منها. 

“هل سيختفي المجرم؟” 

بالطبع لا فالتكنولوجيا لا تلغي الدوافع البشرية الطمع موجود والاحتيال موجود والسرقة موجودة. 

لكنها قد تغير شكل الجريمة، وسرعتها، وحجمها، وتكلفتها وهذا هو السبب الذي يجعل الذكاء‌‌ 

الاصطناعي قضية اقتصادية وأمنية في الوقت نفسه. 

فالجريمة في المستقبل قد لا تحتاج إلى عدد كبير من المجرمين… قد تحتاج إلى نظام ذكي يستطيع‌‌ 

تكرار الجريمة آلاف المرات. 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.