أحمد القناوي يكتب | “موديز” والتصنيف الائتماني لمصر

0

لا تُقاس قوة الاقتصاد فقط بمعدلات النمو المعلنة، ولا بحجم الاستثمارات التي تدخل البلاد، وإنما أيضًا بمدى قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها، واستقرار سياساتها الاقتصادية، وقدرتها على مواجهة الأزمات الداخلية والخارجية، ومن هنا تأتي أهمية قرار وكالة موديز رفع التصنيف الائتماني لمصر من Caa1 إلى B3، مع الإبقاء على نظرة مستقبلية إيجابية.

القرار ليس مجرد تعديل في رقم داخل تقرير لواحدة من ثلاث مؤسسات مالية عالمية متخصصة في تقييم مخاطر الديون، سواء ديون الدول أو الشركات أو البنوك، لكنه إشارة إلى تغير في تقدير المخاطر المرتبطة بالاقتصاد المصري، وإلى أن الإجراءات التي اتخذتها الدولة بدأت تنعكس على بعض المؤشرات المالية والنقدية. ومع ذلك، فإن قراءة القرار بصورة موضوعية تتطلب فهم ما يعنيه، والأسباب التي أدت إليه، والحدود التي لا ينبغي تجاوزها عند تقييم آثاره.

التصنيف الائتماني السيادي هو تقييم لقدرة الدولة واستعدادها للوفاء بالتزاماتها المالية وسداد ديونها في مواعيدها. وكلما تحسن التصنيف، انخفضت المخاطر التي يربطها المستثمرون والمقرضون بالتعامل مع الدولة، من حيث المبدأ.

وانتقال مصر من Caa1 إلى B3 يمثل تحسنًا ملموسًا في تقييم موديز للمخاطر السيادية، لكنه لا يعني الوصول إلى مستوى الاستثمار الآمن؛ فالتصنيف الجديد لا يزال ضمن فئة المضاربة، ويأتي بعيدًا عن الفئات الاستثمارية داخل التصنيف.

وتكمن الأهمية العملية لهذا التحسن في إمكانية توسيع قاعدة المستثمرين المهتمين بالسوق المصرية، وتحسين شروط الاقتراض الخارجي تدريجيًا، وخفض العائد الذي تطلبه الأسواق مقابل تحمل مخاطر الإقراض لمصر. لكن هذه النتائج ليست تلقائية؛ إذ تتوقف على استمرار التحسن الاقتصادي، وظروف الأسواق العالمية، ومستوى المخاطر الإقليمية، وحجم احتياجات الدولة التمويلية.

استند القرار إلى مجموعة من التطورات، في مقدمتها استمرار جهود ضبط المالية العامة، والتحسن في تحصيل الإيرادات، وترشيد الإنفاق، إلى جانب تراجع نسبة الدين الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي، وتحسن الاحتياطيات الأجنبية.

ووفقًا للبيانات المنشورة عن القرار، تراجعت نسبة الدين الحكومي إلى نحو 81.9% من الناتج المحلي الإجمالي في يونيو 2026، بينما تجاوز صافي الاحتياطيات الدولية 57 مليار دولار في سبتمبر من العام نفسه. كما ارتفعت الإيرادات الضريبية إلى نحو 13% من الناتج المحلي الإجمالي، بحسب تصريحات وزير المالية.

وهناك عامل آخر لا يقل أهمية، يتمثل في التحول إلى سعر صرف أكثر مرونة منذ مارس 2024، بالتزامن مع تشديد السياسة النقدية. فقد ساعد ذلك على تقليل الاختلالات في سوق النقد الأجنبي، وتعزيز قدرة الاقتصاد على التعامل مع تدفقات رؤوس الأموال والصدمات الخارجية.

كذلك أسهمت الفوائض الأولية في الموازنة (أي تحقيق إيرادات تتجاوز المصروفات بعد استبعاد قيمة فوائد الدين) في دعم مسار ضبط المالية العامة. لكن ينبغي التمييز بين الفائض الأولي والفائض الكلي؛ فالأول لا يعني أن الدولة تخلصت من عجز الموازنة، ولا أنها لم تعد بحاجة إلى الاقتراض، لأن الوضع يختلف كثيرا بعد إضافة قيمة فوائد الدين المدفوعة في الموازنة السنوية.

لم يكن القرار نتيجة إجراء سريعة، بل حصيلة مسار من السياسات الاقتصادية، شمل تحرير سعر الصرف وزيادة مرونته، وتشديد السياسة النقدية لمواجهة التضخم، وإجراءات لزيادة الإيرادات العامة وضبط الإنفاق، إلى جانب تدابير تستهدف خفض أعباء الدين وتحسين إدارة الالتزامات الحكومية.

كما ساهمت التدفقات الأجنبية والتمويلات الخارجية في تحسين قدرة الاقتصاد على توفير النقد الأجنبي، بينما استمر التعاون مع صندوق النقد الدولي في إطار برنامج الإصلاح الاقتصادي.

لكن الإنصاف في التقييم يقتضي الإشارة إلى أن هذه الإجراءات لم تكن بلا تكلفة؛ فقد تحمل المواطنون أعباء ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية، فيما واجهت الشركات تحديات مرتبطة بتكلفة التمويل ومدخلات الإنتاج. ولذلك لا يكفي قياس نجاح الإصلاحات بما تحققه من استقرار نقدي أو تحسن في مؤشرات الديون، بل يجب قياسه أيضًا بقدرتها على زيادة الإنتاج والتشغيل وتحسين مستويات المعيشة.

الأثر الأول المحتمل هو تحسن تدريجي في ثقة المستثمرين، خصوصًا إذا اقترن رفع التصنيف باستمرار استقرار سوق الصرف وتراجع التضخم. وقد ينعكس ذلك على تكلفة التمويل الخارجي، سواء للحكومة أو للشركات المصرية، وعلى مدى تأثر حجم الانخفاض وسرعته بظروف الأسواق ومستوى المخاطر.

أما الأثر الثاني، فيتعلق بقدرة الدولة على إدارة الدين. فإذا انخفضت تكلفة الاقتراض الجديدة، وأُعيد تمويل جزء من الالتزامات بشروط أفضل، فقد تتاح مساحة مالية أكبر للإنفاق على التعليم والصحة والحماية الاجتماعية والاستثمار المنتج. غير أن هذا الأثر لن يتحقق بمجرد صدور القرار، بل يحتاج إلى إدارة فعالة للدين وإطالة آجاله وتقليل الاعتماد على التمويل مرتفع التكلفة لضمان أكبر استفادة من ما قد يتاح من تمويل مستقبلي.

أما الأثر الثالث، فهو تعزيز فرص جذب الاستثمارات الخاصة، ولكن بشرط أن يصاحب تحسن التصنيف تطوير بيئة الأعمال، وتبسيط الإجراءات، وضمان المنافسة العادلة، وتقليص حالة عدم اليقين أمام المستثمرين. فالتصنيف الائتماني قد يفتح الباب، لكنه لا يضمن دخول الاستثمارات أو نجاحها.

على الرغم من أهمية القرار ودلالاته، وما يستند إليه من مؤشرات، فإن التحديات الأساسية للاقتصاد المصري لا تزال قائمة، وفي مقدمتها ارتفاع أعباء خدمة الدين، والحاجة إلى موارد مستدامة من النقد الأجنبي، وزيادة الصادرات، ورفع الإنتاجية، وتعميق الصناعة المحلية، وتوسيع دور القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي.

وهنا تبرز ضرورة الانتقال من مرحلة تثبيت الاستقرار المالي والنقدي إلى مرحلة بناء نمو اقتصادي أكثر استدامة وشمولًا. فزيادة الإيرادات لا ينبغي أن تعتمد على التوسع في تحصيل الضرائب وحده، وإنما على توسيع القاعدة الإنتاجية، ودمج الاقتصاد غير الرسمي، وتحفيز الاستثمار، وزيادة القيمة المضافة للصادرات المصرية.

كما أن تراجع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي يمثل تطورًا مهمًا، لكنه لا يغني عن متابعة القيمة المطلقة للدين، وتكلفة خدمته، وآجال استحقاقه، وحجم الاحتياجات التمويلية السنوية. فالمعيار الأهم ليس فقط قدرة الدولة على الاقتراض، وإنما قدرتها على تقليل احتياجاتها إلى الاقتراض بمرور الوقت.

في النهاية، يمثل قرار موديز تطورًا إيجابيًا في تقييم المخاطر السيادية لمصر، ويعكس تحسنًا في عدد من المؤشرات المالية والنقدية. لكنه ليس شهادة بأن الأزمة الاقتصادية انتهت، ولا ضمانًا بأن التمويل سيصبح أرخص أو أن الاستثمارات ستتدفق تلقائيًا.

ويبقى التحدي الحقيقي هو تحويل تحسن التصنيف إلى تحسن في الاقتصاد الحقيقي: دين أقل كلفة، واستثمار أكبر، وإنتاج وصادرات أعلى، وفرص عمل أفضل، وقدرة أكبر للمواطن على تحمل أعباء الحياة.

عندها فقط لا يصبح رفع التصنيف الائتماني مجرد خبر جيد في الأسواق الدولية، بل يصبح خطوة في مسار اقتصادي يشعر المواطن بثماره في حياته اليومية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.