علي فؤاد يكتب | ثقافة الترند.. شهرة بلا نجاح

0

في بداية ظهور وسائل التواصل الاجتماعي لم تكن سوى منصات افتراضية بسيطة كان الغرض منها هو تعزيز قدرة الإنسان على التواصل مع دائرته القريبة مثل الأهل والأصدقاء وزملاء الدراسة وتقريب المسافات بينهم، ولكن في وقت قصير ومع التطور التكنولوجي المتسارع استطاعت مواقع التواصل الاجتماعي تجاوز هذا الأفق الضيق، حيث إنها وسعت من قدرة الإنسان على التواصل مع أفراد جدد خارج دائرته القريبة، بل أتاحت لكل إنسان أن يصنع جمهوره الخاص الذي يستطيع أن يتواصل معهم في أي وقت ويشاركهم أفكاره وآرائه والتعبير عن وجهة نظره بطرق لم تكن متاحة من قبل بهذا الشكل.

كما أن وسائل التواصل الاجتماعي نجحت أيضاً في كسر احتكار الوصول إلى الجمهور، حيث كان في الماضي حكراً على المشاهير والإعلاميين أو المنابر التقليدية مثل التلفزيون والصحافة وغيرها، بل أصبح أي شخص قادراً على أن يكون له جمهوره الخاص، من هنا بدأ التحول، حيث تغيرت اهتمامات البعض من التعبير عن الآراء والأفكار ومشاركتها مع الجمهور إلى رغبة الظهور والبحث عن الشهرة، فأصبح عدد المتابعين والإعجابات والمشاهدات والتفاعل مقاييس يشعر معها البعض بقيمة حضورهم وتأثيرهم في المجتمع.

ومن هنا لم يعد السؤال ماذا سوف أقدم إلى الناس من محتوى بقدر كم شخص سوف يشاهدني، وكم عدد الأشخاص الذين سوف يتحدثون عنى، كم من الوقت أستطيع أن أبقى حاضراً في دائرة اهتمامات الناس ومحركات البحث، فأصبح النجاح يقاس بمدى القدرة على جذب انتباه الآخرين.

ومن هنا ظهرت ثقافة الترند، التي أصبحت غاية تسيطر على اهتمامات الكثير من الناس، فالهدف هو كيفية الوصول إلى الترند حتى لو كان ما أقدمه من محتوى بلا قيمة حقيقية أو يتنافى مع قيم وعادات وتقاليد المجتمع والخروج عن المألوف فالأهم عدد المشاهدات ومدى التفاعل مع المحتوى وسرعة انتشاره.

ومن أخطر ما صاحب ثقافة الترند أن الأمر وقد وصل عند البعض إلى الحد الذي يدفعه إلى ارتكاب ما يمكن وصفه بتجاوزات أخلاقية في حق المجتمع والآخرين، فقط من أجل الحصول على دقائق من الشهرة، وكلما كان التصرف أكثر غرابة، زادت فرص انتشاره، فالمهم أن تصبح ترنداً حتى لو كان الناس يتحدثون عنك سلبياً وكأننا أصبحنا أمام سباق مفتوح من يستطيع أن يجذب الانتباه أكثر؟

وهو ما يعد خروجاً على المفاهيم المتعارف عليها، ففي الماضي كانت الشهرة نتيجة طبيعية لما يحقق الإنسان من نجاح، وكانت الشهرة ينظر إليها باعتبارها جزءاً من رصيد هذا النجاح الذي حققه الشخص في مجاله سواء كان عالماً أو كاتباً أو فناناً أو رياضياً …. الخ، لذا كان رأيه وكلامه يحظى بالمصداقية والاحترام واهتمام كبير من الناس.

أما اليوم في زمن الترند فأصبح السعي إلى الشهرة هو الهدف والغاية، فالبعض يبحث عن الشهرة أولًا، وكأن مجرد أن يعرفك الناس ويصبح لك متابعين هو في حد ذاته النجاح، حتى لو لم يكن وراء هذه الشهرة إنجاز حقيقي أو شيء يستحق كل هذا الاهتمام، ومن هنا تحولت الشهرة من نتيجة للنجاح إلى هدف في حد ذاتها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.