د. كريم محمد المرشدي = السوشيال ميديا والعزلة الرقمية

0

في عصر أصبحت فيه الشاشات منصاتنا الرئيسية للتفاعل والتعبير، نعيش مفارقة تاريخية غير مسبوقة؛ فنحن أكثر‌‌ 

أجيال البشرية تواصلًا من الناحية التقنية، ولكننا في الوقت ذاته أكثرهم شعورًا بالوحدة والعزلة. لم تعد منصات‌‌ 

التواصل الاجتماعي مجرد أدوات لنقل المعلومات، بل أضحت بيئة عالمية بديلة تشكل وعي المجتمعات وتصيغ‌‌ 

سلوكيات أفرادها، وتطرح معها مفهومًا مستحدثًا وخطيرًا: ‌‌العزلة الرقمية‌‌. 

تُعرف العزلة الرقمية بأنها حالة ينفصل فيها الفرد تدريجيًا عن بيئته الاجتماعية الحقيقية وواقع المباشر، ليحل‌‌ 

محلها انغماس كامل في العالم الافتراضي. وعلى العكس من العزلة التقليدية‌‌  

التي تعني الانفراد بالنفس، فإن العزلة الرقمية تتسم بكون الفرد محاطًا بآلاف المتابعين والتفاعلات الوهمية، لكنه يفتقد‌‌ 

إلى التواصل الإنساني الأصيل القائم على التعاطف الحقيقي والتفاعل المباشر. 

تتعدد أسباب هذه الظاهرة، ويأتي في مقدمتها خوارزميات المنصات الرقمية التي صُممت بعناية لتعزيز الإدمان‌‌ 

السلوكي، وجعل الفرد يقضي أطول وقت ممكن في التصفح لا ينتهي. يُضاف إلى ذلك ظاهرة “الخوف من الفقد”‌‌ 

(‌‌FOMO‌‌)، التي تدفع الأفراد للمتابعة المستمرة تجنبًا لتفويت أي حدث، مما يضاعف الشعور بالقلق والضغط‌‌ 

النفسي. كما أن السعي المتواصل نحو تقديم صورة مثالية زاهية على مواقع التواصل ينتهي بفرق شاسع بين الواقع‌‌ 

المعاش والصورة الافتراضية، مما يولد إحباطًا واغترابًا عن الذات والمجتمع. 

تنعكس آثار العزلة الرقمية بوضوح على الفرد والمجتمع؛ فنفسيًا، تسهم في ارتفاع معدلات الاكتئاب والقلق وقلة‌‌ 

الثقة بالنفس، خصوصًا بين فئتي الشباب والناشئة. واجتماعيًا، تؤدي إلى تآكل الروابط الأسرية وضعف مهارات‌‌ 

التواصل الشفهي، وتفكك النسيج المجتمعي المحلي لصالح مجتمعات افتراضية شتيتة لا تقدم الدعم الاجتماعي الحقيقي‌‌ 

وقت الأزمات. 

ولأن الشباب هم المحرك الأساسي لبناء المستقبل والركيزة الأولى للتنمية الشاملة، فإن مواجهة العزلة الرقمية تتطلب‌‌ 

رؤية استراتيجية متكاملة تتضافر فيها الجهود الوطنية. وتبدأ هذه المواجهة من تعزيز مفهوم ‌‌”الوعي الرقمي”‌‌ 

و”التربية الإعلامية”، بحيث لا يُظر إلى التكنولوجيا كعنصر يجب إقصاؤه، بل كأداة يتم ترشيد استخدامها. 

إن تحقيق التوازن يتطلب العمل على عدة محاور: 

∙التوعية والمبادرات الشبابية:‌‌ إطلاق حملات توعوية تشجع على “التعافي الرقمي” والاقتطاع المنتظم لوقت‌‌ 

الشاشات لصالح الأنشطة الميدانية. 

∙تمكين الفعاليات المجتمعية:‌‌ التوسع في إنشاء المساحات التفاعلية، والأنشطة الثقافية والرياضية التي‌‌ 

تجمع الشباب وجهًا لوجه لتجديد شريان التواصل الإنساني. 

∙البعد السياسي والتنموي:‌‌ إدماج قضايا الصحة النفسية الرقمية ضمن الاستراتيجيات الوطنية للشباب،‌‌ 

لضمان بناء جيل قادر على الإنتاج والابتكار دون الوقع في مصيدة الاغتراب الرقمي. 

إن العزلة الرقمية ليست مجرد خيار فردي، بل تحدٍ مجتمعي يمس الأمن القومي والمجتمعي. والهدف اليوم ليس‌‌ 

العودة إلى الوراء أو معاداة التقنية، بل استعادة السيطرة عليها؛ لتكون التكنولوجيا وسيلة لبناء الجسور بين البشر، لا‌‌ 

جدرانًا تفصلهم عن واقعهم وإنسانيتهم. 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.