د. حسن هجرس يكتب | الاستثمار والإدارة
تغيرت معايير جذب الاستثمار في العالم بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة. فلم يعد المستثمر يبحث فقط عن قطعة أرض أو حوافز مالية أو موقع جغرافي متميز، وإنما أصبح يبحث أولا عن بيئة إدارية قادرة على إنجاز الأعمال بكفاءة وشفافية وسرعة.
ومن هنا أرى أن الإدارة المحلية أصبحت أحد أهم عناصر التنافس بين المحافظات، بل إن جودة الأداء التنفيذي قد تكون الفارق الحقيقي بين محافظة تنجح في جذب الاستثمارات وأخرى تمتلك الإمكانات نفسها لكنها تعجز عن استغلالها.
المحافظ الناجح لا ينتظر المستثمر حتى يطرق أبواب المحافظة، وإنما يعمل على بناء منظومة متكاملة تجعل المحافظة بيئة جاذبة للاستثمار،تبدأ هذه المنظومة بتبسيط الإجراءات، والاعتماد على التحول الرقمي، وسرعة اتخاذ القرار، والتنسيق الفعال بين جميع الأجهزة التنفيذية، بما يختصر الوقت ويقلل التكلفة ويعزز الثقة.
ولدى كل محافظة في مصر فرص اقتصادية مختلفة. فهناك محافظات تمتلك مقومات صناعية، وأخرى تتميز بالإنتاج الزراعي، وأخرى تملك ثروات سياحية أو مواقع لوجستية أو موانئ أو مناطق تعدين. غير أن هذه المقومات تظل إمكانات غير مستغلة إذا لم تتحول إلى مشروعات حقيقية تحقق قيمة مضافة وتوفر فرص عمل مستدامة.
ومن وجهة نظري، فإن المحافظ يجب ألا يكتفي بإدارة الملفات اليومية، بل يتحول إلى قائد للتنمية الاقتصادية داخل محافظته، واضعا رؤية واضحة لتعظيم الاستفادة من الموارد المحلية، وبناء شراكات حقيقية مع القطاع الخاص، وتشجيع رواد الأعمال، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة باعتبارها أحد أهم محركات النمو.
كما أن نجاح المحافظ في ملف الاستثمار لا ينبغي أن يقاس بعدد الاجتماعات أو الزيارات الميدانية، وإنما بمؤشرات أداء واضحة يمكن قياسها ومتابعتها، مثل حجم الاستثمارات الجديدة، وعدد فرص العمل المستحدثة، ومتوسط زمن إنهاء الإجراءات، ونسبة تشغيل المناطق الصناعية، ومستوى رضا المستثمرين عن الخدمات الحكومية.
إن المنافسة بين المحافظات في المستقبل لن تكون على حجم الموارد فقط، بل على جودة الإدارة، وسرعة الإنجاز، وكفاءة تقديم الخدمات، والقدرة على تحويل الأفكار إلى مشروعات ناجحة يشعر المواطن بنتائجها في حياته اليومية.
وأعتقد أن المحافظ الذي ينجح في بناء بيئة استثمارية مستقرة وشفافة لن يحقق التنمية الاقتصادية فحسب، بل سيعزز ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة، وهو ما يمثل أحد أهم أهداف الجمهورية الجديدة.
ويبقى السؤال: هل أصبحت جودة الإدارة المحلية اليوم أهم من حجم الإمكانات في جذب الاستثمار؟ أعتقد أن الإجابة تستحق نقاشا واسعا، لأنها تمس مستقبل التنمية في كل محافظة مصرية.