د. مروة إبراهيم تكتب | تمكين شباب مصر
في بعض الملفات، تبدو الأسماء كثيرة إلى الحد الذي يوحي بأن المستقبل قد اكتمل ترتيبه. صفحات تحمل
مسميات، وتقارير ترصد أعدادًا، واجتماعات تتوالد من اجتماعات، بينما تظل المسافة بين الورق والأرض هي
المساحة الأكثر صمتًا. هناك، تحديدًا، تبدأ الحكاية الحقيقية لشباب مصر؛ لا بوصفهم عنوانًا في ملف، وإنما
باعتبارهم طاقة تنتظر أن تتحول إلى فعل.
لقد طال النظر إلى الشباب من زاوية التصنيف: هذا ينتمي إلى مجال، وذاك إلى مجموعة، وآخر يحمل صفة أو
مسمى. لكن الأوطان لا تُبنى بكثرة المسميات، ولا تقاس قوة شبابها بعدد الملفات التي تحمل أسماءهم. القيمة
الحقيقية تبدأ حين يغادر الشباب صفحات التعريف إلى مساحة الفعل، وحين يتحول الحضور من صورة إلى
تأثير، والطموح من أمنية إلى إنجاز.
الشاب المصري اليوم يقف في قلب عالم سريع لا يمنح أحدًا رفاهية الانتظار. يحمل هاتفًا في يده، لكنه يحمل
في رأسه عالمًا آخر من الأفكار والطموحات. يتعلم من شاشة، ويصنع مشروعًا من غرفة صغيرة، ويخوض
تجربة، ويتعثر، ثم يعود للمحاولة. لديه قدرة لافتة على التعلم والتكيف، وكفاءة تتسع كلما اتسعت أمامه الفرصة.
المشكلة ليست في ندرة الطاقة، بل في كيفية هندسة الفرص التي تستوعبها.
سياسيًا، لم يعد حضور الشباب يكتمل بمجرد الاستماع إليهم؛ فالتمكين الحقيقي يضعهم داخل مساحة المسؤولية،
حيث يصبح الكفء قادرًا على المشاركة، وصاحب الفكرة قادرًا على اختبارها، وصاحب الإنجاز قادرًا على
صناعة القرار. ليست القضية أن يكون الشباب جزءًا من المشهد، بل أن يمتلكوا مساحة حقيقية لصناعة المشهد.
واقتصاديًا، تمثل الثروة الشبابية أحد أهم أشكال رأس المال البشري في مصر. وكل مهارة لا تجد طريقها إلى
سوق العمل تظل طاقة كامنة، وكل فكرة لا تجد تمويلًا أو احتضانًا تظل مشروعًا مؤجلًا. لذلك يصبح التمكين
الاقتصادي هندسة متكاملة للفرص: تعليمًا يواكب السوق، وتدريبًا ينتج مهارة، وتمويلًا يفتح الطريق، وبيئة
تسمح للشاب بأن يحول طموحه إلى إنتاج، والإنتاج إلى قيمة، والقيمة إلى نمو.
أما اجتماعيًا، فالتمكين ليس منحة تُمنح للشباب، بل ثقة تُبنى معهم. أن يشعر الشاب أن المجتمع يراه بما
يستطيع أن يكونه، لا بما كان عليه؛ وأن الخطأ مساحة للتعلم، والتجربة طريق للنضج، والاختلاف طاقة يمكن أن
تُدار لا مشكلة يجب إقصاؤها.
وهنا تتغير المعادلة كلها: من الحديث عن الشباب إلى العمل معهم، ومن رعايتهم إلى الاستثمار فيهم، ومن
الاحتفاء بقدراتهم إلى إطلاق هذه القدرات في الواقع.
مصر لا تحتاج إلى أن تبحث عن ثروة شبابية جديدة؛ الثروة موجودة بالفعل. تحتاج فقط إلى أن تنتقل من حبر
الملفات إلى أرض التمكين، ومن طاقة تنتظر دورها إلى قوة تصنع دورها.
فالمستقبل لا يُورث للأجيال، ولا يُكتب في الأوراق وحدها؛ المستقبل يُصنع حين تتحول عقول الشباب إلى
أفكار، وأفكارهم إلى عمل، وعملهم إلى أثر، وأثرهم إلى قوة تبني وطنًا أكثر قدرة على الغد.