محمود إبراهيم السمان يكتب | الحرب النفسية الجديدة
لم تعد الحروب الحديثة تُقاس فقط بعدد الطائرات أو الدبابات أو حجم الأسلحة المستخدمة في ساحات القتال، فقد انتقلت المواجهة إلى مساحة أكثر تعقيدًا وتأثيرًا: مساحة العقل والإدراك والوعي.
ففي عالم تتدفق فيه المعلومات على مدار الساعة، أصبح من الممكن التأثير في طريقة تفكير الأفراد واتجاهاتهم من خلال أدوات لا تحمل بالضرورة مظهرًا عسكريًا مباشرًا، وإنما تعتمد على المعلومة، والصورة، والفيديو، والعنوان، وتكرار الرواية، وطريقة تقديم الأحداث.
من السيطرة على الأرض إلى التأثير في الوعي
الحرب النفسية ليست مفهومًا جديدًا، لكن أدواتها تطورت بصورة كبيرة مع التحول الرقمي. ففي الماضي كان نشر الشائعات أو الرسائل الدعائية يتم عبر وسائل محدودة، أما اليوم فقد أصبح المحتوى قادرًا على الوصول إلى ملايين الأشخاص خلال دقائق.
وتكمن الخطورة في أن كثرة تداول المعلومة لا تعني بالضرورة صحتها؛ فقد تتحول الرواية المتكررة إلى شيء يبدو مألوفًا، ومع التكرار قد يضعف الإنسان قدرته على التساؤل: من أين جاءت هذه المعلومة؟ وما مصدرها؟ وهل توجد أدلة تؤكدها؟
وهنا يظهر مفهوم مهم هو المناعة المعرفية؛ أي قدرة الفرد والمجتمع على التعامل مع المعلومات بوعي، والتمييز بين الحقيقة والرأي، وبين الخبر والتحليل، وبين المعلومة الموثقة والمحتوى المصمم للتأثير.
الخوارزميات.. عندما يصبح المحتوى أكثر تخصيصًا
أحدثت الخوارزميات تحولًا كبيرًا في طريقة استهلاك المعلومات. فالمستخدم لا يرى بالضرورة كل ما يُنشر، وإنما تعرض عليه المنصات محتوى يتوافق بدرجة كبيرة مع اهتماماته وسلوكه السابق.
وهذا قد يؤدي إلى تكوين ما يُعرف ببيئات المعلومات المغلقة، التي يرى فيها الشخص آراءً متشابهة بصورة متكررة، بينما تقل أمامه وجهات النظر المختلفة.
ومع تطور الذكاء الاصطناعي التوليدي، أصبح إنتاج النصوص والصور ومقاطع الفيديو والصوت أكثر سهولة، وهو ما يجعل التحقق من المحتوى ضرورة متزايدة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقضايا حساسة تمس المجتمع أو الأمن أو الاقتصاد.
إغراق الجمهور بالمعلومات
ليس التضليل دائمًا في تقديم معلومة كاذبة بشكل مباشر؛ أحيانًا يكون الأسلوب هو إغراق الجمهور بكم هائل من المعلومات المتناقضة، بحيث يصبح الوصول إلى الحقيقة أكثر صعوبة.
وفي هذه الحالة قد لا يكون الهدف إقناع الجميع برواية واحدة، وإنما خلق حالة من الارتباك والشك وفقدان الثقة في قدرة الفرد على معرفة الحقيقة.
ومن هنا فإن مواجهة هذا النوع من الحروب لا تكون بمجرد زيادة كمية المعلومات، وإنما بتقديم معلومات دقيقة، واضحة، موثقة، وفي الوقت المناسب.
المواطن خط الدفاع الأول
الأمن المعرفي لا يبدأ من المؤسسات وحدها، بل يبدأ من المواطن نفسه.
فكل شخص يمتلك هاتفًا ذكيًا ويستخدم وسائل التواصل الاجتماعي أصبح طرفًا في البيئة المعلوماتية. وقد يكون ناقلًا للمعلومة دون أن يدرك أثر ما ينشره.
لذلك أصبحت هناك مجموعة من المهارات الضرورية، منها: التأكد من المصدر، مقارنة المعلومات، قراءة الخبر كاملًا قبل مشاركته، التمييز بين الرأي والحقيقة، وعدم الانسياق وراء العناوين المثيرة أو المقاطع المقتطعة من سياقها.
التعليم والإعلام في مواجهة التضليل
تحتاج المجتمعات إلى بناء ثقافة عامة تقوم على التفكير النقدي، وليس مجرد حفظ المعلومات.
وهنا يأتي دور الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام والمؤسسات المختلفة في تعليم الأجيال الجديدة كيفية التعامل مع العالم الرقمي، بحيث لا يكون الفرد مجرد مستهلك للمحتوى، وإنما قادرًا على تحليله وفهم سياقه والتحقق منه.
كما أن الإعلام المسؤول يستطيع أن يؤدي دورًا مهمًا في مواجهة الشائعات من خلال السرعة والدقة والاعتماد على المصادر الموثوقة، دون المساهمة في إعادة نشر المحتوى المضلل لمجرد الرد عليه.
الوعي.. جزء من الأمن الوطني
إن مفهوم الأمن الوطني في العصر الحديث أصبح أكثر اتساعًا من حماية الحدود والمنشآت، ليشمل كذلك حماية المجتمع من محاولات التضليل والتلاعب بالإدراك.
فالمجتمع الذي يمتلك وعيًا نقديًا وقدرة على التحقق من المعلومات يكون أكثر قدرة على التعامل مع الأزمات، وأقل عرضة للارتباك الناتج عن الشائعات والمعلومات غير الموثوقة.
وفي النهاية، فإن أخطر ما في الحرب النفسية الحديثة أنها قد تبدأ بمعلومة صغيرة، لكنها تستهدف شيئًا أكبر بكثير: طريقة الإنسان في فهم الواقع.
ولهذا فإن بناء المناعة المعرفية ليس رفاهية ثقافية، وإنما أصبح ضرورة في عصر تتقدم فيه التكنولوجيا بسرعة، وتتطور فيه أدوات التأثير على العقول بالسرعة نفسها