محمود المناعي يكتب | القاهرة والرياض.. مصير مشترك
أستقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي، ، ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في زيارة عمل تأتي في توقيت بالغ الحساسية، تتقاطع فيه تهديدات الممرات البحرية مع مخاطر اقتصادية غير مسبوقة. فمضيق باب المندب الذي يمر عبره نحو 10% من التجارة العالمية بات اليوم تحت سيطرة الحوثيين بعد أسابيع من المعارك العنيفة، في حين لا يزال مضيق هرمز يرزح تحت وطأة الحصار البحري والاحتكاك العسكري بين واشنطن وطهران.
لم يكن التعاون المصري السعودي في حماية الممرات المائية وليد اللحظة. فمنذ اتفاقية الدفاع المشترك عام 1955، وقفت الرياض إلى جانب القاهرة في العدوان الثلاثي عام 1956 بمنحها مائة مليون دولار أنقذت المالية المصرية من الانهيار، ثم جاء دعم الملك فيصل في حرب أكتوبر 1973 بسلاح النفط ليؤكد أن أمن البلدين مصير واحد. وبعد ثورة يونيو 2013، وقفت المملكة إلى جانب مصر في مواجهة تحدياتها الاقتصادية، وهو ما يعكس عمق العلاقة التي وصفها ولي العهد السعودي بأنها “صلبة وقوية ولن تتغير”.
غير أن الخطر اليوم مختلف في شكله ومصدره. فسيطرة الحوثيين على مدينة المخا وجزيرة ميون في قلب باب المندب تمنحهم لأول مرة قدرة تحكم مباشرة في المضيق، وهو ما وصفه خبراء بأنه “جبهة موازية لهرمز”. وبالنسبة للسعودية، فإن إغلاق خط الأنابيب الشرقي الذي يربط بقيق بينبع يحرمها من شريان حيوي لتجاوز هرمز، في وقت تُستهدف فيه مدنها الجنوبية بصواريخ ومسيرات أسفرت عن إصابة 73 شخصاً على الأقل. أما مصر، فقد خسرت قناة السويس نحو أحد عشر مليار دولار بسبب اضطرابات الملاحة السابقة، وأي تقييد جديد لباب المندب سيعيد تكرار تلك الخسارة.
غير أن الشراكة بين البلدين لا تختزل في البعد الأمني. فحجم التبادل التجاري بلغ نحو 7.1 مليار دولار في النصف الأول من 2026، وتحويلات المصريين العاملين في المملكة سجلت اثني عشر مليار دولار في العام المالي الماضي. وتستثمر نحو سبعة آلاف شركة سعودية في مصر، بينما تعمل خمسة آلاف شركة مصرية في السوق السعودية، وهو تشابك اقتصادي يمنح الشراكة الاستراتيجية عمقاً مادياً لا يقوم على الخطاب فقط.
زيارة ولي العهد اليوم ليست مجرد لقاء دبلوماسي عابر، بل تأكيد على أن القاهرة والرياض تدركان أن مواجهة مخاطر الممرات البحرية تتطلب عملاً مشتركاً لا فردياً. فمضيق واحد قد يُغلق، لكن الشراكة بين البلدين تبقى خط الدفاع الأول عن أمنهما القومي المشترك.