أحمد محسن قاسم يكتب | التنسيقية نموذج مواكبة التطور

0 258

يعتقد بعض الساسة ومهتمى الشأن العام الكلاسيكيين في مصر، أن تجربة تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين ككيان هي نموذج يرتبط وجودًا برغبة القيادة السياسية فحسب، ويرى بعض أخر إن التنسيقية ككيان تقوم فقط بتخريج نخبة جديدة أو قوى ناعمة جديدة متكاملة المكونات (تنفيذية وتشريعية وإعلامية) لتكون على درجة وعي أكثر عمقًا بمحددات ومتغيرات وثوابت إدارة الدولة ومؤسساتها مِن بعض مَن كانوا رموزًا للممارسة السياسية في العهود السابقة.

المتأمل لحركة تطور أشكال الممارسة السياسية في النظم المختلفة بالعالم، يُدرك أن كيانات الممارسة السياسية التقليدية (الأحزاب)، كأداة اتصال بين الشعوب وأنظمة إدارة وحكم الدول، أخذ نجمها في الأفول منذ عقد من الزمان مع تطور وسائل الإتصال ليكون ذلك الكيان المصري هو المواكبة لتطور كيانات الممارسة السياسية في العالم بغير مبالغة أو إنحياز.

في الولايات المتحدة الامريكية على سبيل المثال، وهي التجربة الحزبية الأكثر قوة في العالم، رصدت تقارير متعددة، منها تقرير أعدته هيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، التأثير المتراجع لوحدات والمنصات الإعلامية للحزبين الديمقراطي والجمهوري (فوكس نيوز، وسي أن أن) في توجيه الناخبين في مواجهة التأثير القوى لمدوني السوشيال ميديا حيث حقق مدون واحد يدعى “دان بونجينو” مشاركات وتفاعلًا أكثر من التفاعل على منشورات النيويورك تايمز لمدة شهر. فضلًا عن العجز الذي شهدته تلك الانتخابات من تأثير الممارسة الحزبية وكان من مظاهره ما سُمى “التدخل الأجنبي الروسي في الانتخابات الأمريكية من خلال حملات السوشيال ميديا”.

كذلك في إيطاليا، شهدت الانتخابات البرلمانية صعود حركة غير تنظيمية عجزت الأحزاب التقليدية عن منافستها، حيث حصلت حركة خمس نجوم، غير التنظيمية، على أكثرية برلمانية بعدد 110 مقعد بانتخابات النواب و58 مقعدًا بالشيوخ.

أيضا في استطلاع للرأي أجراه البرلمان الأوروبي كشف عن نسبة 56% من الأوروبيين يثقون في الحركات السياسية الجديدة في مقابل الأحزاب السياسية، وتزيد تلك النسبة إلى 69% في أسبانيا وحدها، ويستدل على تلك النسب بنموذج صعود الجبهة الوطنية بفرنسا ونظرائها في هولندا وألمانيا.

التجربة الفرنسية في هذا السياق مليئة بالشواهد التي تؤكد على أن الممارسة السياسية في العالم بدأت الانتقال من كيانات الأحزاب السياسية التقليدية لصالح الكيانات الجديدة، ففي استطلاع أجرته مجلة “لوبوان” سألت فيه قراءها: “هل كيانات الأحزاب السياسية التقليدية في طريقها إلى الزوال؟”، وكانت النتيجة إيجابية بنسبة 72% مقابل 27% سلبية، وليس هناك شاهد على الطرح أبلغ من الرئيس لبفرنسي “إيمانويل ماكرون” ذاته الذي تأهل إلى نهائي انتخابات الرئاسة في 2017 وهو غير مرتبط بحزب سياسي وإنما حركة سميت “الجمهورية إلى الأمام”.

ختامًا، وجود الجماعات السياسية هو ضرورة لا تقبل الانفصال عن المجتمعات الإنسانية وهي بطبيعة الحال يجب أن تتطور مع تطور المجتمعات، لذلك فإن ما نشهده في مصر والعالم هو فترة انتقال من نمط ممارسة سياسية تقليدى قديم إلى نمط حديث يرتبط بحركة نمو وتقدم المجتمعات، وليس حجب أو منع أو تقييد أو تضييق.
التنسيقية ككيان في مصر تقوم بالدورالإستراتيجي طويل المدى في خطة صناعة القوى الناعمة كأحد محددات قوى الدولة الشاملة وليس الدور الإداري أو التشغيلي في تلك الخطة، وبما يتناسب مع صناعة نخبة قادرة على ملاحقة طفرات الدولة المصرية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.